الموضوع الذي يحسنه، وبالأسلوب الذي يتقنه أو يستحسنه، ومن مختلف تلك الكتابات والأساليب التي قد تجمع بين الغث والسمين، تجتمع المعلومات الكافية لكتابة التاريخ الوطني الجامع للنواحي السياسية والحربية، والعلمية والأدبية، والاقتصادية والاجتماعية.
على هذا الأساس تقدمت لتأليف هذا الكتاب، كتاب «تاريخ تطوان» الذي أرى انه لا يحتوي إلا على معلومات متناثرة تتصل حلقاتها تارة وتنفصل تارة أخرى. وتتقارب موضوعاتها حبنا وتتباعد أحيانا، هي أخبار ومعلومات جديرة بان تعتبر من المواد الأولية لكتابة التاريخ المغربي الكامل في المستقبل، بعد أن يلم شعتها ويكمل نقصها. فلهذا أنبه قارئ كتابي هذا إلى انه لا ينتظر أن يجد فيه تاريخا كاملا شاملا مبنيا على الأسس العلمية الخالصة، تام التناسق متصل الحلقات، رابطا للأسباب بالمسببات، لان المجهودات، إنما استطاعت أن تحطب المعلومات، وتذيلها بالملاحظات والتعليقات. ولعل الجبل المقبل يستطيع أن يضم ما نجمعه نحن إلى ما حفظه أسلافنا، وما يبعثه خلفنا، وينقح الجميع تنقيحا، وينظمه تنظيما، فيجمع الأشباه والنظائر، ويفرق بين مختلف الموضوعات، يربط بين الحلقات، ثم يقدم للأمة نتائج أبحاثه وثمرات جهوده ناضجة طيبة لذيذة بحول الله.
لقد كتبت ما كتبت، وجمعت ما جمعت، وعلقت بما رأيت، بناء على مذهبي، في كتابة التاريخ العام، ذلك المذهب الذي يرى أن يثبت المؤرخ المعلومات ويصور الحوادث كما هي أو كما يراها دون تزوير أو تضليل، ثم لكل قارئ أن يستفيد ويستنبط على حسب ذوقه ومذهبه واستعداده. وإذا كان للمؤرخ في أن يعلق بما يشاء كما يشاء، فان القارئ أيضا أن يقبل ويرفض على حسب ذوقه ومذهبه أيضا، والحق حق دائما، حب من حب وكره من كره، والباطل لا يخفى ولو موهه صاحبه تمويها. أن الأمة تختلف طبقات كما تختلف صور أفرادها، وإذا كان المصور الماهر هو الذي يرسم الصورة رسما مطابقا للأصل، فان المؤرخ الحقيقي «الذي لا يكتب للدعاية ولا يتأثر برغبة أو رهبة» هو الذي يسجل ما يقف عليه من المعلومات غنها وسمينها، كلياتها وجزئياتها، فيثبت من أقوال الناس وأعمالهم ما يدل على الذكاء وسعة الصدر وحسن التدبير، ومال يدل على الغباوة والجهل وفساد الرأي وسوء التقدير. ويسجل من الأخبار ما يعرف منه الجهال من العلماء، والضعفاء من الأقوياء والأبطال من الجبناء، والاجواد من البخلاء، والكسالى من النشيطين، والمتقلبون من الثابتين، والخونة من المخلصين. ثم أن من الطبيعي أن تختلف الأذواق والمشارب، وان تكون في الأمة مسالك ومذاهب، فقد يكون هناك خبر أو موضوع يلفت نظري وارى انه من الأهمية بمكان، في حين أن غيري لا يعطيه أية أهمية ويمر به مر الكرام، وقد تكون هناك ناحية أخرى لا رأى أنا فيها فائدة كبيرة وتكون في نظرك أنت من مهمات الأمور، وهكذا تختلف الأنظار والأفكار باختلاف الثقافات والعوائد والأوساط، فلا يطمع احد في إرضاء جميع الطبقات ولو بلغ من المعرفة والذكاء ما بلغ. وعليه فان كنت كاتبا أو مؤلفا فابذل جهدك، وابد رأيك، وقل كلمتك، وارض ضميرك، وخل الناس يقولون، ولسوف يقولون كثيرا أو قليلا، ولسوف تجد من يحبذ ويقرظ، ومن يغتاظ وينتقد، ومن يعجب ويطرب، ومن يستاء ويصخب، إلا أن الميدان الكتابة والتأليف والنشر، ميدان فسيح، لا احتكار فيه ولا ازدحام عليه، ومن التنافس والتسابق وتبادل الأفكار، تظهر الحقائق وتستفيد الأمة، وتلك غاية المخلصين.
لقد رأيت بالرغم من اعترافي بقصر الباع، وقلة الاطلاع، وشغل البال، واضطراب الأحوال أن أسد ثغرة صغيرة في ناحية من نواحي تاريخنا المغربي، بجمع هذه المعلومات عن مدينة «تطوان» مسقط راسي وموطن آبائي وأجدادي منذ الهجرة الأندلسية الإسلامية إلى المغرب. والمعلومات عن مدينة «تطوان» المتواضعة، معلومات عن مدينة مغربية وعن سكان مغربيين، وتطوان وناحيتها ليست سوى قطعة من البلاد المغربية الناهضة الآن ومال البلاد المغربية وسكانها، اعني بلاد المغرب العربي بأقطاره الثلاثة «تونس والجزائر والمغرب» إلا الشق الأيسر من جسم بلاد العروبة المجيدة، موطن النبل والشهامة، والنجدة والمروءة. وما بلاد العروبة إلا جزء من العالم الإسلامي العظيم، هذا العالم النبيل الناهض النشيط الذي نفض عنه غبار الخمول، وكسر القيود، وحطم السلاسل والأغلال، واخذ يسعى للتوحيد والتقدم نحو الرقي والمجد، لحمل راية العظمة والسؤدد، فحياه الله وسدد خطاه وأيده ونصره.