والتاريخ على العموم، فيه نواح مختلفة، وكل ناحية لها محبذون يبتهجون بها ويتحمسون لها، كما أن لها أناسا يشمئزون منها ويستنقلون الكلام عنها، تلك سنة الله، ولن تجد لسنة الله، ولن تجد لسنة الله تبديلا، وكل حزب بما لديهم فرحون.
لقد قضى وطننا المغربي العزيز حياته منذ وصول الإسلام والعروبة إليه إلى قرننا هذا الذي نعيش فيه، وطنا حرا عزيزا في نفسه، مستقلا في إرادة شؤونه وسياسته. وحينما امتدت سيطرة الأتراك على العالم العربي ومنه الشمال الإفريقي، كانت الحدود الشرقية للمغرب هي الحجرة التي وقفت عندها تلك السيطرة الأجنبية، بالرغم من كونها كانت سيطرة إسلامية لم يكن هناك مانع من الترحيب بها لولا الشعور الوطني والغيرة القومية على استقلال البلاد وحريتها.
وفي الوقت الذي كانت بلاد شرقية كثيرة ترزح تحت أثقال الاستعمار الأجنبي. كان «المغرب» يتمتع بكامل حريته واستقلاله، محفوظ الكرامة مهيب الجانب في الشرق والغرب، إلا أن دوام الحال محال، فالعظمة ما دامت لدولة ولن تدوم، والتأخر والانحطاط ما دام أيضا ولن تدوم، ولقد تسلط على المغرب في أواخر القرن الماضي وأوائل هذا القرن عاملان قويان قد استطاعا انم يهدا أركانه وينخرا عظامه، ذانك العاملان هما الدسائس الأجنبية من الخارج، والجهل العام المخجل من الداخل، لا فرق في ذلك بين رجال الدولة وسواد الأمة، وأمام هذين العاملين الفتاكين، أنهدت قوى المغرب الذي كان عظيما فأصبح هيكلا بلا روح، ثم آل به الأمر إلى أن صار في عداد البلاد الفاقدة لحريتها واستقلالها المجندلة أمام القوات الأجنبية، والسيطرة الإفرنجية وما كان للمغرب أن يتجندل لو كانت حكومته جارت الدول مجاراة في ميادين العلم والمعرفة، والتقدم والحضارة، ولكن قومنا كانوا في واد غير وادي الناس، وفي غير عصر أولئك الناس، والوقت الذي كانت الشعوب الغربية ودولها تسير فيه السير الحنيث نحو حياة جديدة مبنية على العلم والنظام والقوة والعدل، كان رجال دولتنا وولاة امرنا وقادة شعبنا يعيشون فيه بعقلية رجال القرون الوسطى جاهلين ما يجري في العالم من تقدم مادي وأدبي، فكانت النتيجة الطبيعية ذلك، وما كان لغيرها أن يكون، أهل العلم والجد والاجتهاد يتقدمون، وأهل الغفلة والجهل والكسل يتقهقرون، ووجد الاستعمار فكان المتأخرون هم ضحاياه، وكان المغرب في آخر تلك الضحايا.
ثم كانت حياة لها حسناتها وسيئاتها، وكانت أحداث منها ما انتهى أمره وصار في ذمة التاريخ، ومنها ما لا يزال هو أو مفعوله مائلا أمام أعيننا، إلا أن الذي يسر ويفتح أمامنا أبواب الأمل على مصراعيها، هو أن امتنا قد أصبحت الآن شاعرة بالواجب عليها لوطنها، عارفة لحقوقها وواجباتها، وأخذت تعمل بالوسائل العلمية والعملية لاسترجاع ماضيها المجيد، اخذ الله بيدها حتى تبلغ مبتغاها من الحياة السعيدة، والمؤمل بحول الله أن تتغلب عناصر الخير على عناصر الشر وان يزول النزاع ويمحى الخلاف وتتوحد الجهود فيعيش المغرب مع أصدقائه المخلصين في امن وأمان.
وإنني -وامتنا المغربية العزيزة المجيدة بعد أن استرجعت حريتها واستقلالها، وقد أصبحت اليوم على أبواب حياة جديدة ينتظر أن تتغير فيها مظاهرها واتجاهاتها، وان ينقلب معها الكثير من أوضاعها، خصوصا مع وجود بعض لغات وثقافات أجنبية حاول أصحابها من قبل أن يحلوها محل ثقافتنا العربية، وحضارتنا الإسلامية، وعواطفنا الشرقية،- أرى أننا معشر المشغلين بالعلم والأدب والتاريخ في بلاد المغرب العربي، يجب علينا الآن أكثر من أي وقت آخر أن نتقدم إلى الميدان مصلحين وان نكتب من جديد تاريخ امتنا بما فيه من نواحي القوة والكمال والضعف والانحلال، وما يدفع للتحمس والافتخار، أو يدعو للاختفاء والانزواء، لتعرف امتنا سبل النفع والنجاح والعظمة فتسلكها، وتعرف طرق الضرر والخذلان والبلاء فتتنكبها، إذ أن في هذا التاريخ لدروسا وعبرا وإرشادا ووعظا، وفي ذلك كله فائدة وأية فائدة لمن يريد أن يجعل الحياة الجديدة لامته مبنية على أساس قوي متين.
لقول هذا وأنا اعلم أن قيام شخص واحد بكتابة تاريخ امة كاملة في مختلف عصورها ومن جميع نواحيها، أن لم يكن مستحيلا عادة فانه على الأقل من الصعوبة بمكان، خصوصا إذا كان تاريخ امة لعبت أيدي الإهمال بالكثير من وثائقها ومستنداتها، فلهذا أرى من الواجب الوطني الآن أن يكتب كل من يستطيع الكتابة، عن الناحية التي يعرفها، وفي