تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

بالخصوص على ديوان ابن قزمان، وكان بالأندلس زجالون كثيرون دون ابن قزمان، وإنما الشاعر ساعده الحظ بأن حوفظ لنا على نسخة فريدة من ديوانه بإحدى خزانات روسيا، قام بنشر صورة فوتوغرافية لها أحد المستشرقين ببرلين سنة 1896، وكان هذا الديوان أول ما عرفه المستعربون من الإنتاجات الزجلية الأندلسية، وهو الذي أوحى بهذه المشابهات التي لا يمكن أن تكون نتيجة صدفة، وللتمثيل لذلك من ناحية العروض إليك هذه القطعة من قصيدة للكونت دي بوانيي.

PUS DE CHANTAR M,ES PRES TALENS

FARAI UN VERS DUN SUI DOLENS

NON SERAI MAIS OBEDIENS

DE PEYTAN NI DE LEMAZI

والشاهد فيها أن القوافي الثلاث الأولى كلها هكذا ENS والقافية الرابعة ZI تتكرر في كل القصيدة على نحو هذه القطعة من قصيدة لابن قزمان:

وكن لمرسولي قريب الحجاب

وإن كان وترضى وترسل كتاب

بدمي نسطر لك الجواب

ونبرى عظامي مكان القلم

وكذلك هذه القطعة من قصيدة أخرى له:

لم يعطي الله أحدا ما عطى لك

ليس في النسا زينة بحالك

ثلاثة في الخلقة من خصالك

بيضا ونقية ووفية

أما العواطف السامية التي أضحت من مميزات الشعر البروفنصالي فلا شك أن التواشيح الأندلسية وكتب الأدب، من أمثال طوق الحمامة لابن حزم وغيره، كانت معروفة في أوساط المسيحيين المستعربين الذين كانوا يقلدون كل شيء يأتي عند العرب، حتى أنهم جعلوا مآذن لكنائسهم على عادة المغلوبين الذين ينظرون دائما بعين الإكبار والإجلال لكل ما يتصف به الغالب، ومن ثم صار من الظرف عند المتأدبين أن ينسجوا على منوال الشعر العربي في المواضيع التي يطرقونها وفي أوضاعه وعنهم أخذ التربادور.

وكما أشرنا إليه فإننا نشاهد هذا التأثير في الفن المعماري يقع بواسطة المستعربين mozarabes، فقد كانوا يبنون كنائسهم على غرار الأساليب الإسلامية في بناء المساجد أيام الخلافة الأموية، ولم يقتصر هذا التأثير على الكنائس المبنية في البلاد الخاضعة للنفوذ الإسلامي، وإنما نراه كذلك في نواحي شمال الجزيرة الأندلسية المستقلة، بل نراه أيضا في الفن المعماري الفرنسي المسمى الروماني، بنفس الكلمة المستعملة للتعبير عن اللغات المتولدة عن اللاتينية كما قدمنا، حتى أن هذا التأثير وصل إلى بلاد أوفرنيا في وسط فرنسا، وهذا التأثير أمر اتفق عليه كل الباحثين، لأن آثاره بقيت قائمة للعيان، وقد بين العلماء المختصون في هذه الدراسات أن تأثير الفن المعماري العربي خارج اسبانيا لم يكن أقل عمقا مما كان عليه في الأندلس نفسها وأنه كان كلما ظهر تجديد في الفن المعماري بقرطبة في القرنين الرابع والخامس إلا ونجد أثره في الفن المعماري الروماني) 2 (.

وعليه فلا غرابة أن يتأثر الشعراء البروفنصاليون بالشعر العربي بدون أن يكون لهم ضرورة إلمام باللغة العربية ما دامت الثقافة العربية كانت بلغت من الانتشار في أوساط المسيحيين تلك الدرجة التي جعلت الرهبان والوطنيين المنادين بجلاء المسلمين عن الجزيرة ينددون بأبناء جلدتهم الذين يقلدون العرب حتى أن أحد أساقفتهم وهو الباره القرطبي ترك صفحة بديعة في التفجع على شباب وقته الذين ابتعدوا عن ثقافتهم ودينهم وأخذوا يلهجون بالأدب والشعر العربي؛ قال ما ترجمته عن الاسبانية: إنهم يتلذذون بقراءة القصائد والقصص العربية ويدرسون مذاهب المتكلمين والفلاسفة المسلمين، لا ليدحضوها، ولكن ليكتسبوا أسلوبا عربيا جميلا صحيحا، أين يوجد اليوم من غير الرهبان من يقرأ الشروح اللاتنية للكتاب المقدس؟ آه، إن الشبان المسيحيين الذين يمتازون بالتفوق في المعرفة لا يعرفون إلا اللغة العربية والآداب العربية! إنهم يقرأون ويدرسون الكتب العربية .. وإذا تكلمت لهم عن الكتب المسيحية أجابوك باحتقار: إن هذه الكتب لا تستحق أن يلتفت اليها، وا ألماه!! إن المسيحيين قد نسوا حتى لغتهم، ومن بين ألف لا تكاد تجد أكثر من واحد يستطيع أن

(2 انظر مقالا بالفرنسية للأستاذ لامبير في مجلة هيسبريس الجزء 17 (سنة1933) ص 29 وما يليها

مجلة دعوة الحق · الصفحة ١٥١٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ١٥١٠