والقصيدة تتركب من خمسة أقسام إلى تسعة كما هو الشأن أيضا في الأزجال الأندلسية.
(كل هذه المشابهات ترجع إلى الشكل الجديد الذي ظهر في شعر التروبادور من حيث العروض وتركيب القصائد، ولكن هناك مشابهات أخرى ترجع لصلب المواضيع الشعرية التي يطرقها الشعراء «الواجدون»، وهي في أغلبها ترجع للحب ولمدح الأمراء، ومن خصائص هذه العواطف أنها مثل ما نراه عند الشعراء العرب -وبالتالي عند أهل الأندلس- تتولد أحيانا عن مجرد نظرة ساحرة، ويتفنن التروبادور في وصف هذه النظرات ويصفون المحبوب بالقسوة والتيه والدلال مما يسبب للعاشق الولهان آلاما تتجلى في البكاء والسهر والنحول والذهول، وربما أدت به إلى الموت. هذه الصفات شيء عادي في الأدب العربي ولم يكن له مقابل في الشعر اللاتيني الذي كان هو الأدب الوحيد الذي يمكن أن يقتبس منه التروبادور.
ومن وجوه الشبه أيضا أن العاشق في شعر التروبادور يستعمل الرسل بينه وبين معشوقه، ونراه يتكلم على الرقيب وعلى الواشي مثلما نراه في الشعر العربي عموما وفي الأزجال والملحون بوجه خاص، والرقيب المسمى الحراز في الملحون يلعب دورا مهما حتى أن شعراء الملحون عندنا ينظمون قصائد خاصة في وصف هذا الرقيب العنيد، ومن الملاحظ كذلك أن الجو الذي يحيط بالشعر البروفنصالي هو جو الطبيعة الضاحكة المزدهية بأزهارها المتفتحة الذكية وأطيارها المغنية الشادية وجداولها المترقرقة المنسابة تحت الأشجار الباسقة كأن الحياة كلها ربيع لا ينقطع، وهذا الجو الشعري نعرفه كذلك عند شعراء الأندلس في تواشيحهم وأزجالهم.
كل هذه المشابهات جعلت ربيرا ونيكل التشيكي وبيدال الاسباني وأبيل المختص في الدراسات الرومانية يؤمنون بأن التأثير العربي الأندلسي في شعر التروبادور هو تأثير عميق مباشر، وقد عارضهم بعض النقاد من الاختصاصيين في الرومانيات ()، وجرت مناقشات في المجلات المختصة بين الفريقين ولكن قوة حجج مدرسة ربيرا كان لها التفوق.
(وكانت أهم الانتقادات الموجهة لتأثير الشعر العربي في الشعر البروفنصالي هي أن التروبادور لم يكونوا يحسنون العربية، فكيف أمكنهم أن يتأثروا بالإنتاجات الشعرية العربية؟ والجواب عن هذا الاعتراض هو أن الحالة الاجتماعية في الأندلس، من انتشار الثقافة العربية بين المسيحيين، وتقليدهم للعرب في كل شؤونهم، حتى تكونت طبقة منهم تدعى mozarabes أي المستعربين، تعيش في كل شيء حياة عربية، حتى أنهم كانوا يستعملون العربية في صلواتهم وينظمون الشعر بالعربية، وهم في نفس الوقت يعرفون اللغة الإيبرية الرومانية أخت البروفنصالية، وهم كانوا الواسطة بينهم وبين أبناء جلدتهم ممن لا يحسنون العربية، وكانوا يترجمون الآثار الشعرية خصوصا الشعبية منها إلى لغتهم، وكان التروبادور من جيرانهم من وراء جبال البرتات (البريني) يقصدون قلاع الأمراء المسيحيين ويغنون لهم أشعارهم ويسمعون كذلك ما عند زملائهم، وهناك اطلعوا على الأساليب العربية عند سماعهم لطرب الزجالين، ولا ننسى أن الزجل هو في نفس الوقت شعر وموسيقى كما هو الشأن في الملحون وكما كان الأمر عند التروبادور.
ومن الانتقادات الموجهة كذلك لنظرية تأثير الشعر العربي في الشعر البروفنصالي أن أهم شاعر زجال من أهل الأندلس يرتكز عليه أصحاب هذه النظرية لتعضيدها هو ابن قزمان، ومواضيع شعره بعيدة عن الروح العذرية وعن الحب السامي الذي نراه عند التروبادور.
والجواب عن هذا الاعتراض الوجيه هو أن اهتمام نيكل وغيرم من المشتعلين بهذا الموضوع بديوان بن قزمان يرجع قبل كل شيء للناحية العروضية من جهة، ثم لوجوه الشبه الأخرى التي أشرنا إليها من جهة أخرى، على أن هذا الديوان لا يخلو أحيانا من بعض القصائد والمقطعات التي تسودها تلك الروح الطاهرة التي يمتاز بها شعر العذريين، ثم إن أحدا لم يقل بوقف التأثير العربي في الشعر الغربي على ابن قزمان، ولا يلزم أن يكون المستعربون mozarabes من الاسبانيين ولا التروبادور اطلعوا
) قد كنت نشرت بحثا بالفرنسية في هذا الموضوع في عدد خاص لمجلة CAHIERS DU SUD سنة 1943 تحت عنوان LA PO?SIE ARABE ANDALOUSE ET SON INFLUENCE SUR LES TROUBADOURS FRAN?AIS