تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

دعوة الحق، س.2، ع 10 /يوليوز 1959 .................... ص 34

تأثير الشعر العربي في الأندلس في الآداب الغربية

للأستاذ محمد الفاسي

عميد الجامعة المغربية

إن من مسائل الأدب المقارن التي شغلت أفكار المستعربين والعلماء الاختصاصين في تاريخ الآداب الرومانية (وهي آداب اللغات المتولدة عن اللاتينية) قضية ظهور الشعر البروفنصالي في القرون الوسطى بشكله الذي لا يشبه الشعر اللاتيني لا في عروضه ولا في المواضيع التي يطرقها.

ومن المعلوم أن الأدب في أوربا في القرون الوسطى كان منحصرا في الأديرة والمدارس الدينية، وكانت اللغة التي يؤلف بها الرهبان أذكارهم وأدعيتهم هي اللغة اللاتينية وإن كانت قد فقدت إذاك صفاءها ومميزاتها الأصلية حتى صارت تدعى "لاتينية الكنيسة"، ومنهم من ينبزها بهذا التعبير "لاتينية المطبخ"، وكانت الشعوب اللاتينية المختلفة التي تكونت من قدماء الرومانيين الفاتحين ومن أهل البلاد الأصليين تتكلم لغات أصلها لاتيني ولكنها ابتعدت بعدا كبيرا عن اللغة الأم بتأثيرات اللغات القديمة من سلتيه وإيبرية وغيرهما، وتولدت عن هذا المزيج لغات جديدة تدعى رومانية لتمييزها عن اللغة اللاتينية الفصحى، وأخذ رجال الشعب ينظمون الشعر باللغة التي يتكلمونها على غرار ما كان يفعله الشعراء الزجالون بالأندلس وشعراء الملحون عندنا بالمغرب.

وكان هؤلاء الشعراء الشعبيون في جنوبي فرنسا يدعون تروبادور TROUBADOURS أي "الواجدون"، بمعنى الذين يحسون ويشعرون (من الوجدان)، وكانوا ينظمون شعرهم باللغة البروفنصالية، وهي إحدى اللغات الرومانية المتولدة عن اللاتينية، وكانوا في نقس الوقت مغنين وموسيقيين يؤلفون أجواقا تقصد قصور الأمراء وبيوت الأكابر لتسليتهم ومدحهم، ووقع إقبال كبير على هذا النوع من الأدب الجديد، وأخذ الأدباء حتى من طبقات الأمراء ينظمون الشعر في هذه اللغة الشعبية وعلى طريقة "الواجدين".

ولكن الشيء الجديد الذي يلاحظ هو أن شكل هذا الشعر البروفنصالي وموضوعه لم يتقدم لهما نظير من قبل، فمن حيث الموضوع ترى أن الغرام الذي يصفه التروبادور هو عاطفة سامية عذرية رقيقة أشبه بشعر العذريين أو الصوفيين المسلمين، ومن حيث الشكل ظهرت في عروض الشعر البروفنصالي القافية وترتيبها على نحو أزجال الأندلس، فمن هنا أخذ المشتغلون بهذه الدراسات يبحثون عن وجوه الشبه بين هذا الشعر والشعر العربي بالأندلس.

وقد كان للمستعرب الاسباني الكبير خوليان ربيرا الفضل في إظهار وجوه الشبه هذه مما أداه إلى قولته الشهيرة وهي" أن الزجل يعتبر المفتاح السحري الذي يشرح لنا أساليب الأشكال الشعرية في مختلف الطرائق الغنائية عند الشعوب المتحضرة في القرون الوسطى."

وقد ارتكز ريبيرا في حكمه هذا الذي أخذ به كثير من المستعربين والمختصين في الرومانيات على دراسته للشعراء الواجدين أمثال جوفر روديل JAUFRE RUDEL وسيركامون CERCAMON والكونت دي بوانيي وغيرهم، وقد لاحظ ربيرا والعلماء الذين درسوا هذه المسألة أن قصائد التروبادور تتركب من قطع (أو أقسام كما يعبر عنها شعراء الملحون عندنا)، لكل قطعة تحتوي على أربعة أبيات يكون للثلاثة الأولى منها قافية واحدة تختلف من قسم للقسم الآخر وقافية البيت الرابع تتكرر في أقسام القصيدة على هذا النحو ا ا ا ب، وهذا النظام لا نجده في الشعر اللاتيني، وهو نفسه الذي نراه في الأزجال الأندلسية كما سنمثل له من بعد.

ثم إن لكل قصيدة لازمة (أي الحربة كما عند شعراء الملحون) تدعى عند الشعراء التروبادور TORNADA، وهي كذلك في أزجال أهل الأندلس.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ١٥٠٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ١٥٠٨