وإذا كان جامع قرطبة يعلن بدء السير في طريق المجد فان قصور الحمراء على روعتها تعني آخر الطريق، وكأنما أحس الفنان الاندلسي أن النهاية قريبة، فجمع فنه كله وبراعته كلها وأودعها تلك القصور الأميرية الرائعة كأنها إمضاؤه في آخر سجل تاريخ الحضارة الاندلسية المجيد.
وبعد، فان الحديث عن قرطبة لا ينتهي، والرحلة من قرطبة الشرق إلى قرطبة الغرب رحلة بعيدة في حساب المكان وعبرة الزمان، فلقد أنشأ المسلمون في صدر الإسلام وأيام بني أمية من المدن ما لم ينشئه غيرهم من سابقين أو لاحقين في مثل هذه الفترة من الزمان: من البصرة والكوفة وواسط والانبار و الفسطاط والقيروان الى قرطبة، فلم يبق منها على الزمان الا قرطبة هذه، رغم ما مر بها من صروف وأحداث لم يتعرض لمثلها غيرها، ولقد ذهب الكوفة والانبار وواسط والفسطاط، وهبط شأن البصرة والقيروان وهي كلها في قلب بلاد العروبة والاسلام، اما قرطبة فقد غالبت العصور وظلت مكانها في منفاها في أقصى الغرب تناجي أختها دمشق وتردد معها ما كان لبني أمية من مجد عجز الزمان عن ان يأتي عليه، فمن دمشق زويت للإسلام ارض المغرب والأندلس، ومن دمشق تحول البحر الأبيض الى بحيرة عربية، ومنها صدرت الغزوات نحو القسطنطينية وفتحت جزائر البحر وتحولت دولة الإسلام الى دولة بحرية متوسطية لها أساطيل تجري في البحر كالأعلام؛ ومن قرطبة صدرت الغزوات الى قلب أوربا حاملة راية العروبة والإسلام، ومنها فتحت جزائر شرقي البحر الأبيض المعروفة بالبليار، ومن سواحل الأندلس كانت الغزوات البحرية الى جنوبي فرنسا وغربي ايطاليا، ولقد كان انتقال عاصمة الخلافة الشرقية من دمشق الى بغداد إيذانا بتخلي المسلمين عن السيادة على حوض البحر الأبيض، لان العباسيين كانوا ينظرون إلى الشرق في حين أن الأمويين كانوا ينظرون إلى الغرب، ولقد عرف الأمويون كيف يصلون بجيوشهم الى بحر الخزر وقلب آسيا من عاصمتهم دمشق، في حين ترك العباسيون امر الجناح الغربي من دولة الإسلام كانه لا يعنيهم في قليل، فنهض المراونيون من قرطبة يحملون الراية ويحفظون للإسلام سلطانه على امواه البحر ويؤمنونه من ثبات ذلك الغرب الأوربي الذي لم يفتر الصراع بيننا وبينه من أواخر العصر الأموي الى اليوم، ولقد وقف الأندلس وحيدا أمام الضغط المتزايد يحمي جناح العروبة والإسلام ويرد العدى عنه ثلاثة قرون متوالية كان له خلالها العز والنصر والظفر، ولم يعتمد الأندلس في ذلك الا على سواعد أهله وإيمان قادته، وصمد الأندلس وثبت مكانه ورد الغزوات واحدة بعد أخرى، غير ان الأعداء كاثروه وأحاطوا به، وقامت الدولة الفاطمية تعاديه وتناوئه وتضعف قواه، وظل مع ذلك صامدا ثابتا حتى بلغ الذروة من القوة والسلطان أواخر القرن الرابع الهجري، وكان حريا ان يظل مكانه كالطود الراسخ لو دامت له وحدة أمره، ولكنه أتى من مأمنه، ونسي أهله فضل الوحدة، وتفرق أمرهم فاستغلبهم العدو واحد بعد واحد، ولم يكفه استغلابهم بل نشط للقضاء عليهم حتى لم يبق منهم حي يطرف أو صوت يتردد، وتلك عبارة لا ينبغي ان ينساها منا احد، فليس لنا من عدو الا التفرق، ولا يضيع امرنا الا إذا زين الشيطان لكل منا ان يقف وحده ويستمتع بما يسميه استقلاله عن احوانه، ولقد كان الاندلسيون في عصر الطوائف احرص ما يكونون على التعالي بعضهم على بعض، والابتعاد بعضهم عن بعض، حتى لقد سعى في الوحدة بينهم ابو الوليد الباجي فاستبردوه واستثقلوه، ومضوا يستمتعون بهذه الحرية التي طمعوا فيها، فكان من أمرهم ما كان، ولقد نهض يوسف بن تاشفين لجمع أمرهم، فناوءوه وتخوفوه واستعدوا عليه الخصوم، ثم شعروا بعد ذلك بعظيم جنايتهم على أنفسهم ودينهم وحضارتهم، ووقف الباقون منهم يبكون ويستصرخون ولسان التاريخ يردد: اليوم وقد كفرت بالأمس؟
إن الله لا يعظ الناس بأكثر مما يجري عليهم من الأحداث، ولكل قوم من تاريخهم عبرة، ولكل تاريخ أمة مغزى لو وعاه أهلها لأغناها عن بلاء كثير، والمغزى الأكبر لتاريخنا هو الإتحاد والوحدة، ما اجتمع امرنا الا اعتززنا، وما تفرق أمرنا الا أصابنا الأعداء، وحري بنا أن نذكر أن بعضنا أولى ببعض مهما كانت الظروف، وأننا نعز أنفسنا وأبناءنا بقدر ما نتنازل عنه لإخواننا من أنانيتنا، فإن خصومنا يعرفون أننا لا نغلب إلا من داخل، ولا ندرك إلا عن تفرق، فهم ساعون دهرهم إلى هذا جاهدون فيه، ولسنا نردهم عنا بالسلاح والمال بقدر ما نردهم بالإتحاد والاتفاق، وأمامكم عبرة الأندلس تحدثكم عما يصيبنا إذا ركبنا شيطان التفرق، وأمامكم أيضا عبر ة الوحدة وما بلغت بنا إليه تحت راية الناصر صلاح الدين.