تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

نفسها بنفسها، فهي من ذلك التاريخ بلد حزين صامت يلبس غالب السواد، وإذا أنت تمشيت في شوارعها اليوم وجدت الا بلدا حزينا صامتا يخيم عليه الوجوم حتى ليسمونها بالسلطانة الحزينة، وللأسبان المحدثين في هذه السلطانة الحزينة أشعار وأغان تهز النفس هزا، وان من قرأ شيئا للشاعر فديركوجارتيا لوركا ليشعر بأن معظم شعر هذا الشاعر سواء أكان في مقطعاته أو مسرحياته، أن هو إلا رثاء طويل لسلطانة بلاد الغرب الإسلامي العزيز .. حتى الموسيقيون إذا أشاروا الى قرطبة في أنغامهم أخرجوا لحنا حزينا يعبر عما اصاب هذه الملكة العزيزة على يد الدهر الغادر، وأمامنا قطعة «اندالوسيا» لمانويل دي فاليا، فالفقرة الخاصة بقرطبة منها ما هي إلا صبب دموع وآلام.

وربما وجدنا تناقضا بين هذا وما تحفل به كتب الآدب من أحاديث اللهو والمتعة التي تفيض بها كتابات من ذكروا مجالس قرطبة من أهل الأدب والتاريخ: أين ملاعب الشباب ومجالس الأحباب التي يحدثنا بها ابن حزم في ذكرياته التي ضمنها كتابه طرق الحمامة؟ أين مجالس الأنس التي تحفل بها كتابات ابن خافان في المطمح والقلائد؟ أين ليالي السرور التي يروي المقري في نعتها صفحات بعد صفحات من نفح الطيب؟

الحقيقة أن قرطبة لم تعرف ذلك اللهو إلا من أيام المنصور بن عامر، وقد عرفته مرغمة لا طائعة فقد شاءت إرادة هذا الرجل القوي أن يخلي الميدان من كل منافس له في السلطان، فجرد أهل بيوت الحكم والسلطان التي ذكرناها من سلطانهم وأعمالهم، وأغدق عليهم الأموال وتركهم في فراغ كامل، فلم يجدوا ما ينفقون فيه أيامهم إلا الاجتماع في مجالس الأنس والطرب والشعر والألحان، وكان الكثيرون منهم من أهل الأدب والشعر والإلهام الصادق، فاتجه إليهم الشعراء وذوو المواهب يقاسمونهم هذا المتاع وكان الشعراء يفضلون الإلمام بأولئك السراة الخليين على الاتصال بالمنصور مدحه ونيل جوائزه، فقد كان المنصور شكاكا قاسيا يأخذ بالظنة، ولقد أصاب بالأذى نفرا ممن اتصلوا به كابي يوسف الرمادي وأبي مروان الطليق فآثر الباقون السلامة، وغدوا يتنقلون بين مجالس بني شهيد وبني القيطون ومن إليهم، ومضوا يقطعون الليالي في ابتكار هذه المقطعات اللطيفة التي تحفل بها كتب الأدب، ثم ذهبت أيام المنصور وكانت الفتنة، وذهب أمر الخلافة وأصاب قرطبة من البلاء ما جعلها في النصف الثاني من عصرالطوائف في المرتبة الثانية أوالثالثة من حواضر الأندلس، وظهرت عليها اشبيلية وسرقسطة وبلنسية وما إليها، ولم يجد اهل الشعرمن الأندلسيين ما يقطعون به ايامهم غير مجالس الأدب والمنادمة، وقد كانت قرطبة أقل من غيرها أبغالا فيما غرق فيه أهل عصر الطوائف من أسباب المسرة، ومعظم أخبار هذه المجالس إنما يدور حول اشبيلية وطليطلة وسرقسطة وبلنسيه، أما قرطبة فكان الأغلب عليها الرزانة والوقار، وحرص أهلها على أن يكون بلدهم موطن العلم والفقه تاركين الشعر والطرب والليالي الملاح لجيرانهم الإشبيليين.

ولقد أجمع مؤرخو الأندلس على ما كان لقرطبة على طول تاريخها من سمت وجلال جديرين بما لها من الصيت البعيد في التاريخ، وما بقي لدينا من آثارها يذل على ذوق سليم يجمع بين الفخامة والجلال، واذا نحن قارنا بين جامع قرطبة وقصور الحمراء تجلى لنا جلال قرطبة ووقارها، فان الجامع على اتساعه وفخامته وبديع مندسته بعيد عن الزخرف: جدرانه عالية صافية لا زينة فيها ولا نقش، وأعمدته طويلة منشرحة بسيطة التيجان تحمل فوقها هده الاقواس المزدوجة التي تعد من روائع العمارة الإسلامية، ومحرابه رغم عبث الزمان به سامق بديع يتحدث بجلال الإسلام بأبلغ مما يتحدث غيره من الجوامع، وأبوابه عالية مشرفة تدل على الهمة العالية والطماح البعيد، في حين ان قصور الحمراء قطع من الفن الزخرفي الذي لا يخلو من تكلف، فكل جزء من الجدران مثقل بالزخارف والزينة وكل عمود آية في الرقة والخفة يزينه تاج بديع يعلم الله وحده ما تكلفه الفنان من الجهد في صياغته، ورخام الأرضيات مرمر صاف شفاف، والنوافير وسط الأبهاء زخرف خالص كأنما صنعها جوهريون لا بناؤون، والشبابيك أشكال هندسة غاية في الظرف وخفة الظل، وهي بهذا التأنق كله تمثل دور الباروك في تاريخ العمارة الإسلامية، وهي دليل على انحدار الفن الأندلسي واتجاهه الى الزخرف مثلها في ذلك مثل المقدمات وأدب السجع والتكلف وشعر التشبيهات البعيدة في تاريخ الأدب العربي، فإذا كان جامع قرطبة يحمل ما يحمله أسلوب الجاحظ مثلا من رصانة وبلاغة وفحولة، فإن قصور الحمراء تشبه مقامات البديع والحريري ورسائل الصاحب بن عباد، وإذا كان الجامع رمزا على مجد الإمارة القرطبية وجلالها فإن قصور الحمراء تتحدث عن ضياع الهيبة والاتجاه نحو القوالب والصور والأشكال والألوان،

مجلة دعوة الحق · الصفحة ١٥٠٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ١٥٠٦