للوادي الكبير تحيط بها الأرباض والمنى -جمع منبة- والبلاطات، جمع بلاط، وهو القصر أو البيت الريفي تحيط به الحدائق، وكما كان الجامع الأموي في دمشق بناء عظيما متسع الأرجاء بسيط الهندسة يأخذ القلب بجلاله قبل أن يأخذ العين بجماله، فكذلك كان مسجد قرطبة الجامع بناء عظيما متسع الأرجاء لا يمتاز بالحلبة بقدر ما يمتاز بالجلال والرواء، وقد بدأ في بنائه عبد الرحمن الداخل على مثال الجامع الأموي في دمشق، وقد استعمل العرب فيه العقد المخموس، وجعلوا العقود طبقتين حتى يكون ارتفاع السطح مناسبا لاتساع المساحة، وكانت المرة الثانية التي استعملوا فيها العقد المخموس والعقود المزدوجة في جامع قرطبة، فكان ذلك رمزا على الصلات الكثيرة التي تربط بين دمشق الشام وقرطبة الأندلس، صلات بشرية حضارية ثقافية، فأما البشرية فقد كانت قرطبة قاعدة شامية شط مزارها في أقصى الغرب، وكان أميرها ورجالها أمويين شاميين إلى جانب من كان فيها من القوط والأيبيريين، وإذا صحت الرواية التي تقول أن موسى بن نصير أرسل ثلاثين ألفا من أسرى القوط إلى الخليفة الوليد في دمشق، ففرقهم في أهلها، فقد كانت في عروق الدمشقيين إذ ذاك دماء قوطية تزيد التشابه بين أهل البلدين، وأما الحضارية فقد سارت قرطبة على نهج دمشق من حيث هندستها وطرز بيوتها وأسلوب الحياة فيها، وكما يطل جبل قاسيون على دمشق المشرق، فكذلك كان جبل الشارات المعروف بسيرا مورينا يشرف على دمشق الأندلس، وكما كان نهر بردي يمر شمالي دمشق القديمة تقوم عليه القناطر والحنايا، فكذلك كان الوادي الكبير يمر جنوبي قرطبة الأموية تقوم عليه قنطرة الوادي ذات الصيت البعيد في الأدب والتاريخ الأندلسيين، وكما ازدانت دمشق برصافتها فقد ازدهرت قرطبة برصافتها، وما من قصر شاده الأمويون في دمشق إلا شاد خلفاؤهم في قرطبة مثله، بحيث يخيل للإنسان وهو يقرأ أوصاف البلدين أن هناك دمشقين أو قرطبين، أو أن هناك مدينة واحدة يفصل بين شطريها ذلك البحر الواسع الذي يسمى بحر الروم وهو أحق أن يسمى بحر العرب، وما هذا التشابه بين البلدين بوليد المصادفة وإنما هو رمز على ما كان وما ينبغي أن يكون للعرب من سلطان على ذلك البحر، وما خلفوه للدنيا من تراث حضاري يضم قارات العالم القديم على بساط واحد، ويربط بين دمشق وقرطبة بسلسلة من العواصم ومهاد الحضارات: الفسطاط والقاهرة فالقيروان فالجزائر فتاهرت فتلمسان ففاس فطنجة فغرناطة ثم قرطبة، ثم تتصل السلسلة صاعدة إلى وادي الحجارة فسرقسطة ثم تطيلة ودمشقة ولاردة وبنبلونة على سفح جبال البرت، ثم تعبر البرت ولا تقف إلا عند ارجونة جنوبي فرنسا، فقد ظلت حاضرة أسلامية مدى ثلاثين سنة، وقد اتخذها عامل الأندلس عقبة ابن الحجاج مركزا ومقام، يحكم منها الأندلس ويوالي غزواته في الأرض الكبيرة حتى يصل إلى سانس على أميال قليلة جنوبي باريس، فالرحلة من دمشق إلى قرطبة إنما هي رحلة خلال تاريخ الإسلام وحضارته، وهي أطول الرحلات الحضارية في التاريخ الإنساني كله، وادخرها بالخير واحفلها بالعبرة لمن يعتبر وأن الإنسان ليشعر إذا ما انتقل اليوم من دمشق إلى قرطبة، وأفضى إلى صحن الجامع الأموي الخالد، بأنه قطع في الواقع ثلاثة عشر قرنا من تاريخ الإسلام بين صعود وهبوط، وما وقفنا مرة بين مئات الأعمدة الساحقة في ذلك الجامع القرطبي العزيز الا خيل الينا أن الصمت المحيط بنا يتكلم، وان كلامه يحوي من العبرة ما لا تضمه المجلدات، بل ما وقفت في رهبة هذا الجامع الا خيل الي أنني أسمع صوت ابي البقاء صالح بن شريف الرندي يردد من نونيته المشهورة:
دهى الجزيرة أمر لا عزاء له أصابها العين في الإسلام فارتزأت فآسأل بلنسبة ما شأن مرسية وأين قرطبة دار العلوم فكم وأين حمص وما تحويه من نزه قواعد كن اركان البلاد فما هوى له أحد وأنهد نهلان حتى خلت منه أقطار وبلدان وأين شاطبة أم أين جيان من عالم قد سما فيها له شأن ونهرها العذب فياض وملآن عسى البقاء إذا لم نبق أركان
ومن غريب الأمر أن قرطبة لم تجد من يرثيها حق رثائها عندما استغلبها العدو سنة 1236/ 633 لقد طال شعراؤها في رثاء طليطلة ومرسية وبلنسية وغيرها مما ضاع قبلها، فلما حان حينها لم تجد من يودعها الوداع الحقيق بمقامها من تاريخ الأندلس، وبعد ثلاثة عشر عاما، أي عام 1248/ 646 ضاعت اشبيلية وعظم الخطب عن المقال .. ولكن قرطبة رثت