تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فاستقام به أمرهم قرنين ونصفا، ولم يضطرب الأمر إلا عند ما تخلو عن ذلك التقليد، واتجهوا إلى أساليب العباسيين في عصر الطوائف، وقد بدأ عبد الرحمن كما قلنا بالتسوية بين رعيته جميعا، وأزال الحدود في المعاملة بين طوائف العرب وبينهم وبين موالي البيت الأموي والمولدين والمستعربين من أهل البلاد، ثم اختار نفرا من أنصاره وموالي بني أمية ففرق فيهم الأعمال والوظائف والقيادات، وجعل التقدم فيهم للشاميين من العرب والموالي خاصة، لأنهم أعرف بالطريقة والصق بالبيت وأقدر على شؤون الحكم، فظهرت بيوت بني عبدة وبني شهيد وبني حدير وبني فطبس ومن إليهم، ونجم من أفرادها رجال حملوا عبء الدولة واخلصوا لها جيلا بعد جيل، حتى لتستطيع ان تؤرخ لهذه البيوت بيتا بيتا في خطوط متوازية مع البيت الأموي نفسه، لان السلطان كان موزعا بينهما وبين الأمير أو الخليفة على نحو ضمن توزيع المسؤوليات والسلطات وتركيزها في آن واحد، فلم يكن هناك وزير مستأثر بالأمر جامع للسلطات والمسئوليات في يده، كما كان الأمر مع العباسيين في المشرق، بل كان هناك نفر من الرجال يتولى كل منهم ِشأنا من شئون الإمارة: هذا لشئون المال، وذاك للكتابة، وآخر للقيادة وما الى ذلك، ولم يكن الإختصاص تابثا، بل كان الأمير ينقلهم من عمل لعمل كما يريد، وشمل ذلك القيادة أيضا، فلم يكن هناك رجال مختصون بقيادة العسكر، بل يعهد الأمير الى من يشاء في قيادة البعوث، ومن ثم فلم يستأثر بشئون المال نفر من الجهابذة يسيئون إلى الدولة والى الناس، ولم يختص بشئون الجند نفر من القادة يخشى وثوبهم بالسلطان وانقلابهم عليه، وبهذا بقى الود متصلا بين هذه البيوت وبيت الإمارة من البداية الى النهاية، وظهر من اولئك الرجال أفداذ يعدون بين عظماء الإسلام كتمام بن علقمة وعبد الكريم بن مغيث وأبي العباس أحمد بن أبي عبدة وأبي عامر بن شهيد وعبد الرحمن ابن رستم ومن اليهم، وقد يبدو غريبا أن نقول أن بني أمية الاندلسيين على طول تاريخهم لم ينكبوا وزيرا ولم يصادروا عاملا، وكان قصارى ما يفعلون إذا لم يرضوا عن أحد أن يصرفوه عما بيده من أمر ويتركوه في نعمته مجردا من السلطان، وهذا هو أساس نظام الوزارة الاندلسية القريب من نظام الوزراء في العصر الحديث، وقد ميز بنو أمية واحدا من وزرائهم وجعلوه أشبه برئيس الوزراء وسموه الحاجب، ولكنه لم يكن كحجاب المشرق غليظا على الناس مستبدا بأمرهم، لان مهمته الحقيقية لم تكن حجب الأمير عن الناس بقدر ما كانت مهمة تنسيق وتيسير لأمور الوزراء.

وكانت قصور أمراء بني أمية الاندلسيين شديدة الشبه بقصور أسلافهم المشرفين من ناحية البساطة والبعد عن التكلف والأبهة، بل ربما كان من التجوز أن يطلق عليها أسم القصور، فقد كانت في الحقيقة بيوتا كبيرة بسيطة البناء، هي أقرب إلى قصور البوادي التي أغرم خلفاء بني أمية المشرقيين بسكناها بل كان الأغلب على أمراء المراونيين الأندلسيين أن يقيموا في قصور ريفية يتخذونها وسط الرياض أو في الريف، وكانت الحياة في الأندلس إلى نهاية القرن الرابع الهجري بسيطة ساذجة بل اقرب إلى البداوة، فلم يعرف الأمراء أو آل بيتهم أو وزراؤهم في المشرق بعيدة عن الطريق الطبيعي البسيط السليم، بل كانت قرطبة على اتساعها وغناها وتوفر أسباب الحياة فيها بلدا بسيطا ساذجا لا تكلف في أبنيته أو تألق في قصوره ومساجده ومبانيه، وكانت الحياة فيها أقرب إلى بساطة الحياة في دمشق أيام الأمويين، ولقد أجمع المؤرخون على أن الأندلس انتقل من سذاجة البداوة إلى فخامة الحضارة على أيام عبد الرحمن الأوسط، ونسبوا معظم الفضل في ذلك إلى علي بن نافع الموسيقي المعروف بزرياب، فقالوا أنه هو الذي علم الناس لبس القطن في الصيف والصوف في الشتاء وبصرهم بأساليب تصفيف الشعر وأزياء الثياب وآداب المجتمع وعلمهم التأنق في الطعام والشراب وما إلى ذلك، وهذا كله أشبه بالأسطورة صاغها خيال القصاص حول ذلك الموسيقى الخبير بشؤون الدعاية لنفسه، والثابت لدينا على أي حال أن أحوال المعاش أيام الحكم المستنصر مثلا لم تكن تختلف عما كانت عليه أيام عبد الرحمن الأوسط، فظلت السذاجة هي الطابع المميز للحياة الاندلسية، ولم يتسرب إليها الفساد الذي يصاحب الإسراف في الحضارة إلا بعد زوال البيت الأموي وضياع تقاليده العربية الشامية واتجاه الأندلسيين إلى تقليد العباسيين على أيام الطوائف.

ومن ثم فان تشبيه قرطبة بدمشق تشبيه صحيح، فكما كانت دمشق الأموية مدينة بسيطة يقع معظمها على الشاطىء الأيسر لنهر بردي، مركزها الجامع الأموي يقوم قصر الخليفة على مقربة منه، وتحيط بها الارباض، فكذلك كانت قرطبة الأموية بلدا بسيطا ساذجا يقع معظمه على الضفة اليسرى

مجلة دعوة الحق · الصفحة ١٥٠٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ١٥٠٤