تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

يضمون النواحي ويقضون على نزعات الاستقلال وقد تكلفوا في ذلك عناء عظيما، لان شعورهم بوحدة الأندلس كان عظيما، وهم أول من وحد شبه الجزيرة الإبيرية إلى لواء واحد، ولا شك في أن شبه الجزيرة لم يتحد في يوم من الأيام، في الماضي أو الحاضر كما اتحد أيام عبد الرحمن الناصر، والمنصور محمد ابن أبي عامر، فلما ذهب أمر بني أمية ذهب أمر الوحدة، فقد كانوا رموزها والعاملين عليها، وتفرقت الأندلس ابدي سبا واستحال توحيدها بعد ذلك، فكان ذلك سبب ضياعها فرادى ثم جملة .. ولقد دافع أهل كل ناحية في الأندلس عن ناحيتهم ما أمكنهم الدفاع، واستشهد منهم في الصراع آلاف بعد آلاف ولكنهم مفرقين والعدو متحد، كانوا في طريق الضعف والعدو في سبيل القوة، ولم يتبينوا ذلك إلا بعد فوات الأوان واستحكام الداء ووقوع المحذور، ولقد ذكر أهل الأندلس لبني أمية هذا الفضل، وتحسروا على أيامهم بعد أن مضت مع أمس الداير، وأضحت المروانية عند الأندلسيين أسطورة عاطفية، لا يكتب واحد منهم إلا ترحم على المروانيين؛ فابن حيان يبكيهم في كل صفحة من صفحات تاريخه، وابن حزم يتعصب لهم ولا يخلي كتابا من كتبه من مدائحهم، حتى سلائلهم الذين عاشوا في ظلال الخمول بعد زوال أ مرهم يخصص لهم المقري في نفح الطيب صفحات بعد صفحات، ويتتبع لآثار من عرفه منهم في حنان ورقة عظيمين، بل أن أبا بكر العربي يتصدى للدفاع عن الأمويين عامة في كتابه (العواصم من القوا صم)، ويذهب إلى حد الدفاع عن يزيد بن معاوية وتنقص من انكروا خلافته وخرجوا عليه ..

وفي عصرا لولاة كان النزاع بين الشاميين واليمنيين عنيفا متصلا حتى كاد يودي بالأندلس جملة، كما أودى نزاع عرب صقلية ببلدهم، ولكن الغلبة في معظم الأمر للشامية على اليمنية، بحيث نستطيع القول بان الأندلس في عصر الولاة كان طعمة لعرب الشام، وخاصة بعد مجيء طالعة بلج بن بشير من الشاميين، فلما اقبل عبد الرحمن كان اليمنيون أول من نهض لنصرته وتأييده، فلما استقر له السلطان جعلوا يدلون عليه بفضلهم، وحسبوا أنه صنيعة أيديهم، ولكنه كان من الحصافة وبعد النظر والقدرة بحيث رد مطامحهم وقضى على محاولاتهم، واستعان في ذلك بالشاميين ومن وفد عليه من المروانيين، ثم ساوى بين الجميع، فلم يفضل شاما على يمن ولا يمنا على شام، ونهج في سياسته منهجا عربيا خالصا استوى فيه الجميع ما بين بلديين وشاميين، بل ساوى بين العرب والمتعربين ومن آثر الاستمساك بدينه من أهل البلاد، فقامت الوحدة على يديه ومضى الأندلس في طريقه صعدا.

غير انه وهو المرواني الأصيل، لم يستطع أن يقيم دولته إلا على الأسس التي قام عليها عز بني مروان في المشرق، وقد كان عبد الر حمن على بعد بلاده عن المشرق والشام وعلى قصر المدة التي قضاها في الشام- اذ أنه غادرها فارا من العباسيين وهو في حدود العشرين من عمره - شامي الروح أموي الاتجاه، مرواني السياسة، وبينما كان معاصره أبو جعفر المنصور يلتمس أسس دولته العباسية في سوابق الفرس وقواعدهم في السياسة والحكم، اتجه عبد الرحمن اتجاها عربيا خالصا مستوحيا أصول الحكم من سياسات أسلافه من أقطاب بيت بني أمية، فهو يميل نحو معاوية بن أبي سفيان حينا، ونحو مروان ابن الحكم حينا، ونحو عبد الملك بن مروان ثالثا، وكان معاصروه ومن أرخوا له يرون ذلك بوضوح، حتى لقد زعم القصاصون أنه منذ كان صبيا كانت نفسه تحدثه بملك الأندلس، وأنه كان متفتح الذهن والقلب، فينظر وهو صبي إلى ما يفعله خلفاء المروانيين ويعيه ليقيم أمره عليه فيما بعد، فلما أقام دولته أنشاها على غرار ما فعل أسلافه، قال ابن حيان: «ولما ألفى الأندلس ثغرا قاصيا» غفلا من حيلة الملك عاطلا، أرهف أهلها بالطاعة السلطانية وحنكهم بالسيرة الملوكية، وأخذهم بالآداب، وأقامهم على الطريقة، وبدأ فدون الدواوين ورفع الاواوين وفرض الأعطية، وعقد الألوية وجند الأجناد ورفع العماد وأوثق الأوتاد فأقام للملك آلته وأخذ للسلطان عدته»

ولم تكن هذه الطريقة التي أقام عليها عبد الرحمن دولته إلا طريقة بني أمية المشرقيين، وهي طريقة عربية بسيطة لا تعرف تعقيد أساليب الفرس ومناهجهم في الحكم، وتقوم على أساسها على الابتعاد عن مظاهر الابهية وتبسيط أداة الدولة، والاتصال المباشر بين الحاكم والمحكوم والأخذ بالشورى في حدود ضيقة، أي الاعتماد في الرأي على نفر من المخلصين من أنصار البيت الحاكم ومواليه ووجوه أهل البلد، ثم الاعتماد في الناحية العسكرية على الجند العربي وما ينضاف إليه من الموالي والأتباع، وفي هذه الحدود وضع عبد الرحمن نظام دولته على طريقة محكمة عرفت في التاريخ الأندلسي بالتقليد الشامي، وقد سار عليه أمراء بني أمية وخلفاؤهم في الأندلس بأحسن مما سار عليه أسلافهم المشرقيون وكان السياج الذي حمى دولتهم وشد أركان ملكهم

مجلة دعوة الحق · الصفحة ١٥٠٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ١٥٠٣