تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

عليه، فعلي ابن سعيد مثلا يورد كلام ابن غالب الذي ذكرناه ثم يقول: «يعلم الله تعالى أني ما أقصد إلا إنصاف المنصفين الذين لا يميل بهم التعصب ولا يجمع بهم الهوى، ولكن الحق أحق أن يتبع، فلعل مطلعا يقف على ما ذكره ابن غالب، فيقول: هذا الرجل تعصب لأهل بلده، ثم يغمس المتابع له والراضي بنقل قوله، ويحمله على ذلك بعده عن الأرضين:

ولو أبصروا ليلى أقروا بحسنها وقالوا بأني في الثناء مقصر

ويذهب ابن حزم إلى أبعد مما ذهب إليه ابن سعيد في الاعتزاز بأهل بلده وفضائلهم وإذا كان ابن سعيد داعية كثير الكلام والتأليف دون علم كثير، فإن ابن حزم في الذروة من علماء الإسلام سعة إطلاع ودقة فهم وقوة حافظة وقدرة على الجمع والتأليف والتدوين، وهو لهذا يسلك في التدليل على امتياز الأندلسيين مسلك العلماء، فينشئ رسالة في فضل الأندلس لا يدع فيها عالما من علماء المشرق إلا وضع بإزائه رجلا من رجال الأندلس وقال أنه أعلم منه وأعظم، ثم يأتي بالأحاديث النبوية الشريفة ويستخرج منها ما يدل على شهادة الرسول صلوات الله عليه وبفضل الأندلسيين على غيرهم، ثم يقول: وأما في قسم الاقاليم فإن (قرطبة) مسقط رؤوسنا ومعلق تمائمنا مع (سر من رأى) في إقليم واحد، فلنا من الفهم والذكاء ما اقتضاه إقليمنا، وإن كانت الأنوار لا تأتينا إلا مغربة عن مطالعها على الجزء المعمور، وذلك عند المحسنين للأحكام التي تدل عليها الكواكب ناقص من قوى دلائلها، فلها من ذلك على كل حال حظ يفوق أكثر البلاد بارتفاع أحد النيرين بها تسعين درجة، وذلك من أدلة التمكن في العلوم والتفاني فيها عند من ذكرنا، وقد صدق ذلك الخبر وأبانته التجربة».

ويؤيد ذلك ابن بسام في فاتحة الذخيرة، ويعلل الامتياز بان أشراف عرب المشرق افتتحوها وسادات أجناد الشام والعراق نزلوها، فبقى النسل فيها في كل إقليم على عرق كريم، فلا يكاد بلد منها يخلوا من كاتب ماهر وشاعر قاهر .. ثم يقول: أنه ألف كتابه مضاهاة ليتيمة الدهر للثعالبي في فضائل المشارقة، لكي يثبت أن أهل الاندلس أذكى وأفهم واقدر، وقد أورد المقري في النفح رسالة ابن حزم، وعقب عليها برسالة الشقندي في فضل الأندلس وامتيازها على المغرب.

وأوضح جدا أن هذه الأمثلة التي ذكرناها إنما تدل على شعور قومي صحيح كان يعمر قلوب أولئك الأندلسيين، وإذا كان أهل الأقطار الإسلامية الأخرى يعتزون بأمة العرب عامة، ولا يرون إلا أنهم مواطنون في الدولة العربية الكبرى، فلا يعتز أهل بلد منهم على أهل بلد، فإن الأندلسيين كانوا يشاركون غيرهم في ذلك ثم يميزون أنفسهم من دون الناس، ولم يكن شعورهم هذا مجرد حماس أدباء، بل كان حقيقة يؤيدها سلوكهم العام، فتجدهم خارج بلادهم متضامنين متكافئين، ما نزلوا بلدا إلا كانت لهم فيه جالية متماسكة يعين بعضها بعضا ثم يعينون القادم الغريب منهم على الحياة، ففي مدائن المغرب كلها من فاس إلى القيروان كانت الجاليات الاندلسية قوية متماسكة حريصة على أن يكون لأفرادها السبق والامتياز، وكانت لهم في مصر جالية غنية ترعى شؤونهم، أما في الشام والحجاز فكان هناك من الاندلسيين من وقف ماله على رعاية شئون أهل بلده، وذلك واضح في رحلة ابن جبير.

وربما بدا لنا أن هذا الشعور القوي الاندلسي يتنافى مع ما أصاب الأندلس من تفوق وضياع، وإذا كان هذا مبلغ حبهم لوطنهم فكيف استغلب النصارى بلادهم واحدة بعد أخرى دون ان ينهض الجميع للدفاع؟ والحقبقة إلا تعارض بين الأمرين، والسبب فيما وقع يرجع إلى طبيعة شبه الجزيرة الإبيرية، فإن الظروف الجغرافية تنحو إلى تفريق أهل البلاد وقصر اهتمام أهل كل ناحية على ناحيتهم، فإن سلاسل الجبال تشقها من شرق إلى غرب، وتقسمها إلى نواح يعسر الاتصال بين بعضها البعض وخاصة في العصور الوسطى، فان أهل قرطبة مثلا لم يكونوا يستطيعون الوصول إلى طليطلة إلا إذا داروا حول جبل الشارات، فساروا مع الوادي الكبير حتى منابعه تقريبا، ثم ساروا بحذاء مجرى نهر (شقر) ليتجنبوا جبال طليطلة، ثم دخلوا إقليمها من ناحيته الشرقية، ولم يكن أهل طليطلة ليصلوا إلى إقليم سرقسطة إلا إذا داروا شمالا حول جبال بلنسية ووصلوا إلى دروقة وقلعة أيوب، وكذلك الحال مع اشبيلية وما يليها غربا، ومن ثم فقد كان الاتصال بين نواحي الأندلس عسيرا يتكلف الناس فيه مشقة كبرى، وكان هذا من أكبر المصاعب التي صادفت أمراء بني أمية وخلفائهم في حكم الأندلس، وقد كان كثير من النواحي معظم الوقت مستقلا بنفسه خارجا عن سلطانهم المباشر، كما نرى في تاريخ إقليمي طليطلة وسرقسطة، وقد نمى ذلك فيهم شعورا قويا بالمحلية، ولم يكن يجمع هذه النواحي كلها إلى لواء واحد إلا أمراء بني أمية، فقد قضوا أعمارهم كلها

مجلة دعوة الحق · الصفحة ١٥٠٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ١٥٠٢