دعوة الحق، س.2، ع 10 /يوليوز 1959 .................... ص18
الإسلام بين الماضي والحاضر
للأستاذ: أبي العباس أحمد التيجاني
المرحلة التي يجتازها المغرب في فجر العهد الجديد سيجعل منها التاريخ حدا فاصلا بين عهدين:
ماض يرى الحياة هي في الاستمساك بالقديم والمحافظة على ما أورته الأجداد للأحفاد بعجزه وبجره من غير مناقشة ولا تمحيص، حتى كان هذا التراث القديم حبس على الأمة يحترم بحرمته «فمن بدل أو غير فالله حسيبه وولي الانتقام منه».
وحاضر كشفت له مدرسة الحياة اليومية بما فيها من علم ينشر وإذاعات ومجلات ومحاضرات على أن الماضي على ما فيه من مقدسات يحمل بين طياته أوزارا ومخدرات كانت السبب في الفتور العام الذي خيم على المسلمين أفرادا وجماعات وأمما أينما كانوا وكيفما كان نظامهم السياسي، فتور أورثه طول الأمد وتصاريف الأحداث السياسية والاجتماعية كما هو الشأن في البشر حسبما أخبر به الكتاب: «ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم». والنبي عليه السلام من جهته يقول في نفس الموضوع: «لتتبعن سنن من قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه» الأمر الذي استيقن منه شباب اليوم أنه يستحيل عليه والحالة هذه أن يحيي الحياة التي تستحق أن يحياها الإنسان أعني حياة العز والكرامة.
فما هو السبيل للتوفيق بين ماض ارتضى فلسفة لحياته الاجتماعية عدم الحركة «لا تدبر لك أمرا نحن أولى بك منك» وحاضر وجد نفسه في معترك حياة تنبعث منها عوامل تشتد وطأتها دواما واستمرارا تدعوه بمزيد الإلحاح إلى الانسجام مع ركب الحضارة، فأما انسجام وأما انعدام بلا هوادة ولا شفقة.
إذا كانت الوضعيتان، وضعية الماضي ووضعية الحاضر بلغتا من التعارض الحد الذي وصفت فهل من سبيل إلى إيجاد حل يرضي الطرفين؟
لو كان الأمر بين غير المسلمين ما توقفت ساعة في القول بأن الكلمة تكون للثورة كما يجري بمسمع منا من حين لآخر في جمهوريات أمريكا الجنوبية، أما والأمر بين مسلمين أبناء وطن واحد تجرعوا مرارة فقدان الاستقلال، وتحملوا ما تحملوا من عجرفة الاستعمار، وهم مع ذلك يعيشون تحت ظل كتاب واحد، لا تزال حرارة أنفاس جبريل تتصعد منه جدة وطراوة، كتاب لاحت سطوره في رمال الصحراء فغدا من حراسه الليل والنهار إلى أن يغمض هذا الوجود الجفن في دار القرار؛ أقول أمة كهذه من الهين عليها أن تجتمع اتجاهاتها على نظرية واحدة في ميدان الإصلاح أن تجنب الفريقان الإصرار على الرأي والتعصب للتقاليد القديمة بما فيها من غث وسمين، مع ألفات الاهتمام إلى ملاحظتين لا يتم تصور المسالة إلا بالعمل بمقتضاهما: الملاحظة الأولى أن الكلام في الإسلام بوجه عام وعلى القرآن بوجه خاص يوجب على من يخوض فيهما أن يجعل دائما نصب عينيه أن رسالته عليه الصلاة والسلام عامة: «وما أرسلناك إلا كافة للناس» «قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا» «وأوحى إلي هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ».
وحيث كانت بهذه المثابة فهي صالحة لان تعرض على الأحمر والأسود، على الصيني وعلى الأمريكي بلا أحجام ولا احتشام، وفي هذا الصدد كم وكم من أساطير وخرافات في الكتب المتداولة يستحي من ذكرها لأبناء المدارس فضلا عن الشباب المثقف، فما الظن بالأجانب بمن فيهم من مستعمرين وعلماء يشفي غليل صدورهم اكتشاف ما يعينهم على الطعن في الإسلام والكبد لأهله، لذلك يتعين على الشعوب الإسلامية اليوم وقد أخذت تتحقق تباشير الاتحاد فيما بينهما أن يبادروا