تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إلى ما أسميه (تطهير قناة الإسلام) وذلك بتمحيص ما بين أيدينا من الكتب المعتمدة واستخراج ما كان منها صالحا لبناء مجتمع جديد يتماشى مع العصر، وفي هذا السبيل تجب البداية بتفسير القرآن، فان الكتاب العزيز جاء نظمه في صورة دائرة معارف تكلم على العقائد وما هو من حسابها من العلوم الروحانية، وعلى الأحكام مدنية وجنائية، وعلى التاريخ و الفلك، واهتم بأمور الطب والجغرافية، وعلم النباتات، وهلم جرا، وحيث كان بهذه المثابة كان أعظم من أن يتولى تفسيره مفسر واحد، فقد دل العيان وقاطع البرهان على أن الواجب أن يعهد أمر تفسيره إلى لجنة من علماء مبرزين في علوم القرآن، مستظهرين له ليسهل عليهم استحضار سوابق ولواحق الآيات، وما لبعضها من أشباه ونظائر مبثوثة في مختلف السور، والتمييز بين المحكم والمتشابه، فيردوا المتشابه إلى المحكم الذي هو الأم، وحاشا ثم حاشا علماء الإسلام أن يضيقوا ذرعا بمشروع حيوي كهذا، وبعبارة أخرى أن هذه ثلمة في عالم العروبة تجب المبادرة إلى تلافيها لا سيما في هدا العصر الذي نعيش فيه، عصر المنظمات العالمية والمؤتمرات العلمية والمعاهد وما يلقى في رحابها من محاضرات ومسامرات، فمن المحتمل أن تقترح جمعية من الجمعيات في يوم من الأيام: عقد مؤتمر للبحث في الديانات، والمقابلة فيما بينها، أفلا يحق للأمم الإسلامية أن يعدوا للأمر عدته حتى لا تفاجئهم هذه المناظرة المحتملة الوقوع؟ أن الحكيم من لا تفاجئه الحوادث.

الملاحظة الثانية أن أولادنا أصبحوا يتخرجون من الكليات والجامعات ومختلف المعاهد المفتحة أبوابها أمامهم في الشرق الأدنى: القاهرة ودمشق، وفي أوربا، يتلقون فيها العلوم العالية من فلسفة اجتماعية وحقوق ومنطق، سلام مقرون بوداع لذلك العهد الذي كان ينسب فيه الأبناء على ما عاش عليه الآباء وان كان لا يعتمد على أصل أو مستند كيفما كان، فحذار ثم حذار! أن الأبناء أصبحوا اليوم يعرضون ما يسمعونه من الآباء ومن غيرهم على محك النظر والمقتضيات الاجتماعية، يناقشون ويعارضون في الكليات والجزئيات سواء في الأمور الدينية والأمور الدنيوية، فإن هم لم يجدوا ما تطمئن إليه قلوبهم وتنشرح له صدورهم، ساورتهم الشكوك، والشكوك مدرجة إلى الزهد في الدين بل قد ظهرت بوادره في بعض الشبان الذين أصبح الإسلام في أعينهم جنسية وطنية لا دينا سماويا.

قلت وأكر القول بان ما عزا المسلمين من فتور من الناحية الخلقية والثقافية لا تجتث عروقه إلا بالصراحة العمرية، ومن الصراحة العمرية أن أقول باز جيل اليوم لا يستسبغ من الآثار ما كان من جنس ما هو شائع وذائع: «خلقت هؤلاء للجنة ولا أبالي، وهؤلاء للنار ولا أبالي» كل ما هو من هذا القبيل من الآثار و الأسانيد لا يتفق مع ما جاء من الآيات في وصف العدل الإلهي والسنن التي سنها فيما بينه وبين عباده، اقتصر منها على ما يأتي: ((ليس بأمانيكم و لا أماني أهل الكتاب من يعمل سواء يجز به و لا يجد له من دون الله وليا ولا نصيرا - يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها وتوفى كل نفس ما عملت وهم لا يظلمون - يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمد بعيدا - وإنما توفون أجوركم يوم القيامة - والوزن يومئذ الحق، فمن ثقلت موازينه فأولائك هم المفلحون، ومن خفت موازينه فأولائك الذين خسروا أنفسهم بما كانوا بآياتنا يظلمون -- فلنسألن الذين أرسل إليهم ولنسألن المرسلين - ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا وأن كان مثقال حبة من خرذل أتينا بها وكفى بنا حاسبين - ونودوا أن تلكم الجنة أورثتموها بما كانوا يعملون - لهم دار السلام عند ربهم وهو وليهم بما كانوا يعملون - وقالوا الحمد لله الذي صدقنا وعده وأورثنا الأرض نتبوأ من الجنة حيث نشاء فنعم اجر العاملين - يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها وتوفي كل نفس ما عملت وهم لا يظلمون .... »

يستخلص من هذه الآيات البينات أن كل ما جاء من الآثار و الأخبار على اختلاف مصادرها مما مؤداه التشبيط عن العمل، والاستسلام لتصاريف الأيام من أمثال ما يجري على الألسنة بين سائر الطبقات: ما ترك من الحمق شيئا، من أراد أن يظهر في الوجود غير ما أظهره الله، لا تدبر لك أمرا نحن أولى بك منك - الحركة و السكون بإذن الله - كله لا ينفق مع روح القرآن الذي جاء على طوله بالحث على العمل، وإناطة السعادة بالعمل يشهد لهذا أن لفظ العمل على اختلاف صبغه: من اسم، وفعل أمر، أو خطاب، أو غيبة، تكرر ذكره في القرآن ما لا يقل عن 269 مرة، وبطبيعة الحال أن ما لا يتفق كذلك مع تعاليم القرآن، لا يتفق كذلك مع تعاليم الصادق الأمين، صلوات الله عليه وسلامه، يحكم انه كان خلقه القرآن، جاء عنه عليه السلام انه قال: «والذي نفسي بيده ما تركت شيئا يقربكم من الجنة إلا إمرتكم به، وما تركت شيئا يقربكم من النار

مجلة دعوة الحق · الصفحة ١٤٩٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ١٤٩٣