تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لله سبحانه وتعالى، وقد اغتر بذلك خاصتهم وعامتهم أما العامة فقد خصصوا للعبادة ساعات من أوقاتهم حيث إذا فرغوا منها وجدوا أنفسهم لا شيء عليها لله تعالى، فعاكسوا كل مادة من مواده قانونه واعتدوا كل حد من حدوده وتخلفوا بالكذب والخيانة والغش والغيبة ونكثوا العهود واستحلوا الحرمات وغطوا لأهل الحقوق حقوقهم ووقفوا قلوبهم وعيونهم وأيديهم وأرجلهم لخدمة الباطل وعبودية النفس الأمارة بالسوء، وإذا جاءت نفوسهم تلومهم على هذه الأخلاق والأعمال، عللوها بصلاتهم خمس مرات في الليل والنهار وتلاوتهم للكتاب وصيامهم شهرا في كل سنة وأدائهم زكاة بعض أموالهم وحجهم لبيت الله مرة في حياتهم، ولم يشكوا أبدا أنهم عباد الله العابدون المتدينون، فهل هذه هي العبادة؟ ... إن تسجدوا لله ثم تخضعوا، بعد أن ترفعوا رؤوسكم عن السجدة له، لكل اله من الآلهة الباطلة وتجعلوا كل حي أو ميت قاضيا لحاجاتكم؟ أن تتخذوا إلهكم كل إنسان ترون فيه شيئا من القدرة على نفعكم أو ضرركم؟ إن تمدوا أيديكم بالاستجداء إلى أعداء الله من الكفار والمشركين وتقبلوا أحذيتكم وتسيروا في ركبهم وتحسبوا فيهم أولياء لرزقكم مانحين لكم العز والذل وتروا أن لا قانون إلا قانونهم لان عندهم القوة وتخالفوا قانون الله بكل جرأة ووقاحة لان الله ليست عنده -حسب زعمكم الباطل - قوة لتنفيذه؟ هل هذا هو إسلامكم؟ وهل هذا ما يقتضيه إيمانكم؟ وهل على هذا تحسبون أنكم تعبدون الله مخلصين له الدين؟ إن كان هذا هو الإسلام والإيمان، وكانت هذه هي عبادة الله، فقولوا لي بالله ما الذي أذلكم في الدنيا ونكس رؤوسكم أمام أعدائكم وجعلكم تتسكعون تحت نير استعبادهم المادي والفكري؟

وأما الخاصة، فقد سلكوا، على العكس من ذلك طريقا آخر هو أنهم أخذوا سبحانه وسجادتهم فاعتكفوا في حجراتهم معرضين عن الدنيا وما قد عمها من ظلمات الضلال والفساد، قد أحاط الضلال بخلق الله من كل جانب وانتشر فيه الفسق والفجور والفساد وطمت فيه ظلمة الباطل نور الحق، ولا يزال أعداء الله تتسع دائرة نفوذهم واستيلائهم على أرض الله وهم يرغمون الناس على إتباع قوانينهم الشيطانية بذلا من القانون الإلهي إمامهم، هؤلاء الأتقياء الصالحون المقدسون، فلا يقض لهم مضجع على شيء من كل هذا وهمك منقطعون -بكل دعة وسكينة- لأورادهم وصلواتهم النافلة المتتابعة وتحريك حبات سبحانهم الطويلة وإعلاء أصواتهم بهتافات‹‹الحق .. الحق››يتلون كتاب الله ولكن لكسب ثواب التلاوة، ويقراون الحديث ولكن للتبرك ويعضون الناس ويذكرونهم بسيرة الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم ولكن لا لشيء إلا التلذذ ببيان القصص والحكايات، أنهم لا يجدون في القرآن ولا في السنة ولا في سيرة السلف الصالح شيئا يحثهم على القيام بالدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد في سبيل الله، فجل جذه هي العبادة يا أولياء الله الكرام؟ أن تغمضوا عيونكم وتظلوا مشتغلين باورادكم ومراقبتكم هادئين وادعين على حين يرفع الشر رأسه ويستفحل أمره ويطغى سيله النجرف في المدن والقرى على مرآى منكم ومسمع؟ ان تصلوا النوافل تلو النوافل مغلقين عليكم ابواب حجراتكم غير آبئين إن كانت تناطح جدرانها موجات كالجبال من الفسق والفجور والضلال؟ ان تجدوا الكفار يعلنون أفراحهم بما قد نالوا ولا يزالون ينالون من الإنتصارات الشيطانية في شرق الأرض وغربها وفي جنوبها وشمالها، ولا ينتشر في ارجائها الا علومهم ومعارفهم ولا يسودها الا سياستهم وحكمتهم ولا يجري فيها الا قانونهم ولا ينقاد أهلها الا لسيفهم؟ ان تولوا ظهوركم عن أرض الله وخلقه تاركين أمرهما الى هؤلاء الكفار بحجة أنكم قد فرغتم أنفسكم للصلاة والصوم والذكر والأوراد؟ إذا لم تكن العبادة الا هذه ولا يتادى حقها الا على هذا الوجه، فقولوا لي بالله لماذا ينال السيادة في أرض الله غيركم على حين أنتم الذين تعبدون الله؟ الإان الله -كادب- ومعاد الله - في قوله في محكم آياته: «وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليسخلفنهم في الارض كما استخلف الذين من قبل هم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئا»،والله تعالى إذا كان صادقا في وعده هذا، وكان من الواقع أن لا نصيب لكم- على رغم عبادتكم هذه - من سيادة الأرض وقيادتا ولا يتمتع فيها دينكم بالتمكن والإستقرار وليس بمتيسر لكم فيها بعد خوفكم، وليس بمتيسر لكم فيها بعد خوفكم، فاعلموا ووعوا ان لستم انتم ولا سائر أمتكم عابدين لله بل انتم تاركون لعبادته وان وبال ترككم لعبادته هو الذي قد أذل أعناقكم أمام أعدائكم في الدنيا.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ١٤٨٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ١٤٨٦