وان يطبع في القسم الاختياري من حياته حكم هذا المعبود الشرعي، كما يطيع حكمه التكويني في القسم الإجباري من حياته، حتى تصير حياته كلها غير تابعة إلا لحاكم واحد وحكومته وقانونه ولا مصبغة إلا بصبغته ولا يبقى فيها شيء من التخالف والتناقض من أي جهة من الجهات - فهذا هو ‹‹العمل الصالح››
مخطيء من يقول إن العبادة إنما هي منحصرة في السبحة والسجادة والمسجد والصومعة، والحق إن المومن لا يكون عابدا لله بصلاته خمس مرات في الليل والنهار وصوم شهرا في السنة وحجه البيت الحرام مرة في حياته فحسب، بل ليست حياتهن أولها إلى أخرهاإلا عبادة لله تعالى، أفلا يعبد الله عندما يجتنب مقائم الحرام ومنافعه ويتبلغ بالحلال القليل المشروع في مكسبه؟ أو عندما يتجنب الظلم والكذب والخديعة والتدليس ويعمل بالصدق والأمانة والعدل في معاملاته للناس؟ أولا تكون كل حركة من حركاته عبادة لله عند ما يشمر عن ساق جده لخدمة خلق الله وإيصال الحق إلى أهله؟ أولا بعد كل قول من أقواله وكل فعل من أفعاله عبادة لله عندما يتبع قانون الله ويلتزم حدوده في جميع أقواله وأعماله؟؟ الحق أن كل عمل دنيويا كان أو دينيا - يأتي به المؤمن في طاعته لقانون اله وشريعته هو عبادة لله من أوله إلى أخره، حتى أن ليس بيعه وشراؤه في السوق ومعاشرته لأهل بيته وانهماكه في شؤونه الدنيوية البحتة إلا عبادة منه لله سبحانه وتعالى.
غير أن هذه أدنى مر ائب العبادة وما مثلها إلا كمثل طاعة عامة أفراد الرعية لقانون حكومة بلادهم وأحكامهم وأوامرها، أما الدرجة العليا منها فهي أن يكون المؤمن خادما لمولاه مخلفا لا يطيع قوانينه بنفسه فحسب، بل لا يوالو جهدا في تطبيقها على غيره أيضا، ولا يعيش تحت حكومته بالأمن والوفاء والولاء والتزام الطاعة، بل يعمل كل ما عنده من قوى القلب والفكر واليد لإقامة الأمن فيها وإصلاح رعاياها الفاسدين وكبت الظالمين الخارجين عليها أيضا ويستعد للتضحية في سبيلها بكل غال أو رخيص عنده، ففي ذلك يقول سبحانه وتعالى: ‹‹وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا ‹‹ويقول‹‹هو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا ليكون الرسول شهيدا عليكم وتكونوا شهداء على الناس فأقيموا الصلاة وآتو الزكاة واعتصموا بالله›› ويقول ‹‹الذين إن مكانهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتو الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ››.
هذه هي العبادة وهذه حقيقتها، ومن دواعي الأسف أن الناس قد حسبوا إنما هي عبارة عن الصلاة والصوم والتسبيح والتهليل ولا علاقة لها أصلا بأمور الدنيا، على حين ليست الصلاة والصوم والحج والزكاة والذكر والتسبيح والتهليل إلا تمرينات تعد الإنسان للعبادة الرئيسية للعبادة الرئيسية التي ترتفع بحياته من أدنى ما يكون من درجات الحياة الحيوانية إلى أرفع ما يكون من درجات الحياة الإنسانية وتجعله في كلتا حالتيه الإجبارية والاختيارية خادما مطيعا وفيا لمولاه بخدمه في كل لحظة من لحظات حياته بكل قواه الجسمية والروحية، والإنسان عند هذه الدرجة ينال ذلك الشرف الذي لا قبل لمخلوق في الكون أن ينازعه فيه ولا يكون حتى للملائكة أن يغالبوه فيه، فيكون خليفة الله في الأرض بالمعنى الحقيقي التام ولا يذل ببسط يد الاستجداء أمام أحد سوى الله ولا يكون في عنقه إلا نير عبوديته ولا في رجليه إلا أغلاله ولا يتطأطأ رأسه إلا له وحده، يكون عبدا لله وسيدا لكل من سواء في الكائنات، محكوما لله وحاكما لكل من سواء فيكون من حقه أن يحكم أرض الله بإذنه، لا يكون ظالما مستبدا كفرعون ونمرود ولكن نائبا عن الله سبحانه وتعالى في أرضه حسب إذنه لا يحكمها إلا بالحق، وفي ذلك يقول عز من قائل:‹‹وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم امنا يعبدونني لا يشركون بي شيئا ››
هذا جزاؤه في الدنيا، أما جزاؤه في الآخرة، فيبينه الله تعالى بقوله:‹‹ومن يطع الله ورسوله ويخشى الله ويتقه فأولئك هم الفائزون››ويقول: ‹‹رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة يخافون يوما تنقلب فيه القلوب والأبصار ليجزيهم الله أحسن ما عملوا ويزيدهم من فعله››.
المفهوم الخاطيء للعبادة:
ومما يدعوا إلى الأسف أن المسلمين قد تغافلوا عن هذا المفهوم للعبادة وجعلوا العبادة عبارة عن مجموعة مخصوصة من الشعائر والأعمال وكفى وحسبوا أن من أداها فقد أدى ما عليه من حق العبادة