تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

دعوة الحق، س.2، ع 10 /يوليوز 1959 .................... ص 13

في المحيط الإسلامي: نكسة ومسخ

للأستاذ عبد الله كنون

لم تصب الدعوة الإسلامية في عصر من العصور بمثل النكسة التي أصيبت بها في هذا العصر، ولم تمسخ قيمها ومثلها كما مسخها العصريون من دعاة الإصلاح والتجديد، ولعل قول البوصيري رحمه الله: «ومن شدة الظهور الخفاء» لا ينطبق على حالة مثلما ينطبق على الحالة السواى التي يتخبط فيها الإسلام اليوم، وأهله يظنون أنه في حالة انبعاث وتجدد.

ذلك أنه منذ الانطلاقة الإسلامية الأولى، أو أن الهجرة النبوية وما صحبها من انتصارات، وعلى عهد الخلفاء الراشدين، وعهد بني أمية، ثم في العصر العباسي وقد استبحرت الحضارة الغسلامية ورسخ كعب المسلمين في العلوم والفنون، اصطدمت هذه الدعوة بمعارضات شديدة، وتعرضت قيمها ومثلها لمناقضات عديدة، من طرف اليهود والمنافقين والخوارج والمعتزلة والفلاسفة والباطنية والزنادقة والملاحدة عموما، فلم تنهزم ولم تستسلم، بل ثبتت ثبات الجبال، وتصدت لكل معارضة بالنقض، ولكل مناقضة بالأبطال، وسيطرة على المواقف كلها وأملت كلمتها التي كان الانفصال عليها دائما، ولم تحور ولم تغير إلا من الوسائل والأساليب التي كان مقتضى الحال وعامل التطور يقضيان بتحويرها وتغييرها، أما الأصول والدعائم التي تنبني عليها وترتكز إليها فلم يدخلها تبديل و لا تحويل، وبقيت هي هي، تصاول الزمان والأحداث وتتحدى من يعمل لتقويضها وتحطيمها: «يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم والله متم نوره ولو كره الكافرون».

أما في العهد النبوي فلا نحتاج أن نضرب الأمثال للأزمات التي مرت بها هذه الدعوة الكريمة، وما قام به الرسول 0ص9 والوحي يشد أزره، من جهاد مثالي في سبيل أعلاه كلمتها والأدلة لها من الكلم، حتى انتصر الحق وزهق الباطل ولم يبق في الجزيرة العربية من يرفع راسا بمحادة أو نفاق، ان ذلك كان هو واجب صاحب الرسالة ومهمته العظمى، وفي القرآن العظيم حديث مسهب عن هذه الفترة من تاريخ الدعوة وعمل النبي عليه السلام وأغياته التصحية لنصرة الدين وظهوره وبلوغه الى أطراف البلاد، فليتمل من شاء بتلاوة بعض الآيات البينات من ذلك الحديث المعجب المعجز.

واما على عهد الخلفاء الراشدين، فإن حادث امتناع العرب من أداء الزكاة واعتبارهم إياها إتاوة تتنافى مع ما الفوه من حياة حرة متحللة من كل الالتزامات والقيود، كان هو الامتحان الاول الذي محصت به الدعوة الإسلامية في هذا العهد، ولكنها بفضل الموقف الحازم الذي وقفه الخليفة الأول من ذلك الحادث، خرجت من الامتحان قوية منتصرة كأشد ما تكون القوة واعظم ما يكون الانتصار، فقد قرر أبو بكر الصديق قتال القوم، وخالفه الصحابة كلهم حتى عمر بن الخطاب المعروف بشدة البأس وقوة الشكيمة، وقال له أتقاتلهم على الشاة والبعير؟ فقال: والله لو منعوني عفالا كانوا يؤدونه الى الرسول (ص) لقاتلهم عليه .. ولو لم يقف ابو بكر رضي الله عنه هذا الموقف لدخل امر الزكاة في خير كان ولتبعها بعد دلك سائر قواعد الاسلام، ولما كان يوجد الآن من هذا الدين اسم ولا رسم.

ان الامر لم يكن يتعلق بتعطيل شعيرة من شعائر الدين فقط، ولكنه يتعلق ايضا بحرمان الفقراء والمحتاجين مما فرض الله لهم في أموال الاغنياء من هذه الزكاة، فهي حرب ضد الرأسمالية المتعنتة التي حسبت ان لها وحدها الحق في أن تعيش وتستمتع ونسيت ان هناك طبقة من الناس محرومة من ضروريات العيش، فيجب رقدها ومواساتها حتى تنتعش وترتاش.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ١٤٨٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ١٤٨٧