تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

التحليق في الجو، واخترع السفينة ليعجز بها السمك في السباحة، واخترع آلات الحرب ليهزم الوحوش في الضراوة والقتال واقتنى لنفسه أنواعا متنوعة من أسباب الرغد والترف والتنغم ليقضي بها حيلته بلذة لا قبل بها للحيوان، ولكن قل لي بالله هل هو ترقى من درجة الحيوانية على كل هذه الرقيات التي أحرزها؟ أنه لا يأتي بتصرف في العالم المادي بعقله وعلمه إلا تمنت قوانين الفطرة، تلك القوانين نفسها التي يأتي الحيوان تحتها بمثل هذه التصرفات على نطاق محدود بدون أن يكون عنده العقل أو العلم، فكأنه لم يترق على كل ما عنده من العقل والعلم من درجة العبودية الحيوانية التي عليها الحيوان، وكل ما حدث من الفرق بينه وبين الحيوان هو أن الحيوان إذ كان يأتي بعبودية دنيا، كان ينال رزقه من النوع الأدنى، أما هو فقد أتى بعقله وعلمه بعبودية عليا، فنال رزقه من النوع الأعلى، كان الحيوان يعيش على العشب، أما هو فقد نال الزبدة والكعك، كان الحيوان يستدفىء بما ينبت على بدنه من الصوف والوبر، أما هو فقد جعل يستدفىء بالثياب الفاخرة الجميلة، كان الحيوان يعيش في عشه، أما هو فقد نال قصورا شاهقة ذات حدائق غناءة رنانة، إلا أن الذي يجب التساؤل عنه هو: ما هو الرقي الذي أحرزه هذا الإنسان ويسجد باختياره وشعوره لمن يسجد له بدون اختيار منه ولا شعور ويطيع باختياره وشعوره باستعانته ما كان أوتي من وسيلة الرقي- العقل والعلم؟ كان معنى الرقي بالنسبة له ان يعبد باختياره وشعوره من يعبده بدون اختيار منه ولا شعور، ويسجد باختياره وشعوره لمن يسجد له بدون اختيار منه ولا شعور ويطيع باختياره وشعوره قانون شريعة من يطيع قانون فطرته بدون اختيار منه ولا شعور، انه لو أحرز الرقى من هذه الجهة، لنال الشرف والفضيلة على سائر الحيوانات والموجودات في العالم ونال بالفعل تلك الخلافة التي أودع لها الاستعداد والكفاءة في نفسه وعبد خالقه وأطاعه واستحق الأجر أكثر من كل شيء في السماوات والأرض، ولكنه إذا لم يترق من هذه الجهة وتردى في الهوة السحيقة من الانحطاط لاستعانته بآلة الرقي على وجه غير صحيح، فقد ارتد أسفل سافلين واستحق العذاب بحماقة نفسه (1)، والى هذه الحقيقة قد أشير في سورة التين حيث قيل: لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم، ثم رددناه أسفل سافلين، إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم أجر غير ممنون» - إجمال يشير إلى التفاصيل التي بيناها في هذه الصفحات، والمراد بأحسن تقويم القوة والكفاءة للرقي والازدهار، التي اوتيها الإنسان أكثر من أي موجود في هذا الكون، إلا أن ليس كون الإنسان على أحسن تقويم هو الرقي في حد ذاته، بل الذي عليه مدار رقيه هو أن يستعين بهذه القوة والكفاءة فيعرف ربه- وذلك هو المعبر عن مرتبته النهائية بالإيمان- ولا يقضي حياته في الدنيا إلا حسب حكمه الشرعي، وذلك هو المعبر عنه بالعمل الصالح.

أما من لم يحرز الرقي من هذه الجهة، فقد نزل إلى أدنى درجة من الانحطاط والتردي وأما من أحرزه فله أجر غير ممنون أي أجر متصل يجري من هذه الدنيا إلى الحياة الآخرة بدون انقطاع ولا نهاية.

أما الأجر الذي يناله الإنسان مكافأة على عبوديته الإجبارية، فهو أجر منقطع محدود إلى الحياة الدنيا فقط، لان هذه الحياة لا تمتد على كل حال إلا إلى اجل مسمى.

وأما الأجر الذي يناله الإنسان مكافأة على عبادته الاختيارية، فهو نعمة لا خلل فيها ورزق لا خوف عليه للانقطاع والنفاذ.

المفهوم الكامل للعبادة:

وهنا قد انتهى بنا البحث إلى حيث يسهل علينا أن نعرف للعبادة مفهومها الكامل الصحيح:

قد عرفت مما بينا سابقا أن كلمة العبادة يكتمل مفهومها باتحاد جزأين معنويين: أحدهما العبودية أي الطاعة لقانون الفطرة، وثانيهما الخضوع والإذعان، وهو أيضا يحتاج لاكتماله إلى أمرين:

1) أن يعرف الإنسان معبوده الحقيقي معرفة خالصة لا تشوبها أدنى شائبة للشرك أو الكفر أو الإنكار أو الريب والشك، ولا يخاف أحدا غيره ولا يطمع في إنعامه ولا يتوكل على قوته، ولا ينسب إليه الألوهية أو الربوبية ولا يرجو في نفعه أو ضرره، ولا يتعلق به علاقة العبد بمعبود ه- فهذا هو «الإيمان».

1) هذه مسألة من المسائل المهمة قد عثرت فيها عقول كثير من الناس إذ جعلوا القانون الطبيعي أو الحكم التكويني هي العبادة بكل ما للكلمة من معنى وظنوا أن كل من - فردا أو طائفة - أدى حق هذه العبادة فهو العابد وهو الصالح المستحق لكل ما ورد في القرآن الكريم من المواعيد بحق الصالحين، إلا أن الحقيقة - كما قلنا فوق - أن ليست العبادة المطلوبة من الإنسان هي طاعة الحكم التكويني فحسب، بل هي طاعة الحكم الشرعي أيضا.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ١٤٨٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ١٤٨٤