الإنسان إلى الله، إلهه الحقيقي، أما أن يحول بين بعض الأفراد وشعورهم بهذا القلق والاضطراب شيء كقصور العقل أو التعصب والتعنت أو التقليد الأعمى للآباء، فهذا شيء آخر.
إن الإنسان، كما قد قلنا سابقا، لا تنشأ فيه عاطفة العبادة الفطرية إلا لان كل ذرة حوله في السموات والأرض مشتغلة لعبادة الله، فإذا كان ظلوما جهولا في مثل هذه الحال يجهل الله ويسجد لغيره، فإنه لا يوافقه على عقيدته وعمله هذا أي عنصر حوله حتى ولا أي جزء من أجزاء جسده، إن قدميه اللتين يمشي بهما إلى إلهه المزعوم، لا تمشيان إلا في عبادة الله، وان يديه اللتين يقدم بهما القرابين والنذور إليه، لا تتحركان إلا في عبادته لإلهه المزعوم وخضوعه له وتزلفه إليه في مثل هذه الحال، إلا دجل وافتراء وبهتان صريخ تشهد ببطلانه كل ذرة في الكون، بل وتنبهه فطرته في نفسه- ولو بصوت لطيف لا يشعر به- على وقوعه في الباطل والخدعة وتؤنبه على عبوديته وخضوعه لمن لا يستحقها، (أف لكم ولما تعبدون)
اتحاد العبودية والعبادة:
ما العبودية- كما رأيت- إلا فرع للعبادة، فهي تود على عين مقتضى من فطرتها أن تبقى ملازمة لأصلها، وأن الإنسان متى يفضل الفرع عن أصله، على جهل منه، لا يكون منه هذا الفصل إلا معارضا للفطرة يبعث في نفسه القلق والاضطراب ولو على وجه خفي، ولكنه عندما يرفع عن عينيه غشاوة الجهل والغباوة ويعرف على وجه الحقيقة أنه لا اله إلا الذي هو مالكه ورازقه وخالقه، تجتمع فيه العبودية والعبادة إلى أن يتحد الفرع مع أصله وتقفز البنت إلى حضن أمها، وهناك يحصل له من الهدوء والسكينة وطمأنينة القلب ما لم يكن يجده في حالة الافتراق والانفصال.
الخلافة الإلهية:
وهذا الاتحاد بين العبادة والعبودية هو الذي يمتاز به الإنسان عن سائر مخلوقات الله في الأرض وبه ينال عليها الفضل وينعم بالمرتبة التي قال الله عز وجل أنها خلافته في الأرض.
أن الإنسان - كما قلنا سابقا - متدلل لله خاضع لقانون فطرته بدون قصد ولا معرفة منه وتلك هي عبوديته لله، التي هو لا يختلف فيها عن الحيوان الذي لا يعقل والشجر الذي لا يشعر والحجر الذي لا يتحرك، فكذلك هو لا يمتاز عنها في جزاء هذه العبودية- الرزق ونعمة الودود والبقاء، كل ما ينال-ويمكن أن ينال- به الامتياز والشرف والفضيلة عليها، هو أن يعمل ما عنده من القل والشعور والحرية في الإرادة والاختبار والقدرة على العلم والتعلم فيعرف إلهه الذي يعبده بدون قصد ولا معرفة منه ولا يعبد بقصده ومعرفته وشعوره إلا أيا، أما إذا لم يفعل هذا وتولى في حدود اختباره وإرادته عن إلهه الحقيقي الذي يرزقه وينعم عليه بالوجود والحياة ومال إلى عبادة غيره، فلا امتياز له عن سائر المخلوقات ولا شرف له عليها، بل هو أردى منها في الضلالة «لهم قلوب لايفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها، أولئك كالأنعام بل هم أضل، أولئك هم الغافلون» (الأعراف:22)
لا شرف ولا فضيلة للإنسان لمجرد أن عنده العقل والقوة العلمية، لان العقل لا والقوة العلمية أن هما في حد ذاتهما إلا وسيلة لنيل الشرف والفضيلة وقد مكنتا الإنسان من نفسهما حتى انه ليقدر إذا استعان بهما على الوجه الصحيح أن يترقى من درجة العبودية الإلزامية الحيوانية إلى درجة العبادة الاختيارية الإنسانية، فهو إذا لم يستعن بهما أو إنما استعان بهما على وجه غير صحيح وتولى عن إلهه الحقيقي وجعل يعبد من دونه آلهة باطلة، ارتد إلى درجة أدنى من درجة الحيوانية، لأنه ظل على حين لم يكن الحيوان ضالا، وأنكر على حين لم يكن الحيوان منكرا وأشرك على حين لم يكن الحيوان مشركا.
بقي الحيوان على الدرجة التي ولد عليها لم يتردد عنها إن لم يرتفع عليها، وعلى هذه الدرجة الحيوانية نفسها ذلك الإنسان الذي يعبد من دون الله إلهه طاذبة من حيث هو حيوان، لأنه لم يترقى إليها من حيث هو حيوان، لأنه لم يترق إلى الدرجة التي كان عليه أن يترقى إليها من حيث هو إنسان، بل نزل إلى درجة أدنى منها، عمل وسيلة العقل والعلم ولكن لا ليترقى في إنسانيته بل ليترقى في حيوانيته، أته اختراع النظارة ينظر بها إلى أشياء بعيدة لا يستطيع الحيوان أن ينظر إليها، واخترع المذياع ليسمع به أصواتا بعيدة لا يستطيع الحيوان أن يسمعها، واخترع القطار والسيارة ليقطع بهما مسافة طويلة لا يستطيع أن يطويها الحيوان، واخترع الطائرة ليسبق بها الطير في