حجمها ولمعانها، فاتها لا تقدر أن تفعل شيئا على إرادة من نفسها، وإنها إنما تدور في فلكها تحث قانون معين ونظام مطرد مضبوط، فالشمس على عظمتها وكبر جسدها ما استطاعت حتى اليوم أن تطلع من المغرب بدلا من المشرق أو تحيد من مكانها ولو قيد شعر، والقمر ما استطاع حتى اليوم أن يصير بدرا يوم إهلاله، كما لم تستطع أي سيارة أخرى أن تنحرف ولو قيد انملة عما قد قدر لمسيرها من الطريق.
فهو لما رأى الشمس والقمر والنجوم في السماء مكبلة بأغلال العبودية على هذه الصورة، اعرض عن السماء وقال أن لا شيء من الاجاد المادية يصلح للعبادة، فتقدم- متابعا بحثه عن الإله الحقيقي- إلى المعاني المجردة، فأولع بالنور وأسر فؤاده بحب اله الثروة وهام وجدا باله الحب والجمال وطأطأ رأسه لإله القوة فاخترع الهياكل المادية للقوى المدبرة للعالم وشغف بعبادته وسجد للأرواح والعقول والملائكة وقال: هي الصالحة للعبادة.
فهكذا نكس الناس رؤوسهم لكل شيء في السماء أو الأرض وجدوا فيه- على اختلاف مداركهم وكفاءاتهم وقواهم الفكرية والنظرية- بارقة من العلو والنعمة والقدرة والحسن والجمال والقهر والجلال والربوبية والخالقية، ومشى كل واحد منهم حيث أضاء له مصباح الفطرية طريقه ثم وقف، غير أن الذين كان عندهم حظ وافر من الوجدان الصحيح والإدراك المرهف والعقل السليم وكانوا يستهدون في سلوكهم معالم الفطرة بكل دقة، فإنهم لم يطمئنوا ولا بهذه الآلة الروحانية اللاهونية بل ظلوا يتابعون بحثهم دون أن يعرجوا على ما عرض لهم في طريقهم من المراحل حتى بلغوا مرحلة وجدوا فيها كل قوة من قوى الكون المادية والروحانية والفكرية والعليا والسفلى مكبولة بقيود ذات غيرها ملعنة لأمرها مشتغلة بحمدها وتسبيحها وتقديسها وهناك سمعوا بآذان قلوبهم صوتا يتردد بأن: «لا اله إلا أنا فاعبدوه».
لمن كان هدا الصوت؟ ... لذلك الإله الحقيقي الذي تابعوا خطأ سيرهم للبحث عنه، أي المطلوب لما وجد طالبيه الصادقين في طلبهم قد دنوا منه هتف بنفسه وهداهم الطريق الموصل إليه حتى انتهى سفرهم وبلغوا غايتهم واطمأنوا بما أحرزوا من الفوز في جهده (1)، فالحقيقة التي لا مجال فيها للريب أنه لم يبقى أحد يضطرب للمزيد من البحث والتحقيق بعدما سعد بهذه الهداية النهائية وكل ما كان في نفسه من الحيرة والاضطراب والقلق، إنما كان في مراحله الضمنية حيث لما انتهى إلى الغاية التي كان ينشدها ويضطرب للوصول إليها وان لا حاجة له الآن، وقد بلغها، إلى المزيد من البحث (ألا بذكر الله تطمئن القلوب).
ما زال الإنسان مضطربا حيران تلوعه عاطفة البحث والتتبع ولا يقر له قرار ما لم ينته إلى الله الواحد الأحد، ولكنه لما فاز في سعيه وانتهى إلى غايته-الله سبحانه وتعالى-اطمأن قلبه وسرى عنه كل ما كان يجد في نفسه من الروع والقلق والاضطراب والحيرة ولم يعد يحس بشيء منها للبحث عن اله آخر.
إن الله الواحد هو الإله الحقيقي:
لماذا كل هذا؟ ولماذا لم ينته سفر الإنسان بوصوله إلى أحد غير الله وانتهى لمجرد وصوله إلى الله حتى لم تعد نفسه تحدته بالبحث عن اله غيره؟
إذا تأملت هذا، ما وجدت له إلا سببا واحدا هو أن العاطفة الفطرية التي تهيب بالإنسان إلى العبادة لا غاية لها في حقيقة الأمر إلا عبادة الله سبحانه وتعالى فهي لا تسكن- ولا يمكن أن تسكن- إلا بوصول
1) إن الكتاب عن الأديان في هذا الزمان كثيرا ما يميلون إلى النظرية القائلة بالارتقاء التاريخي ويقولون أن الإنسان كان بدأ سيره بأدنى أشكال الشرك وأنه ما زال معياره للآلهة يعلو ويقل عنده عددها على قدر ما نضج فكره وشعوره حتى انتهى به استمراره في السير إلى اعتقاده بالتوحيد، إلا أن التاريخ بنفسه يفند هده النظرية، إذ كان إبراهيم - وهو قبل المسيح بـ 2500 سنة-على عقيدة التوحيد الخالص وأكبر دعاتها، ولا يزال يجد اليوم، بعد2000 سنة من المسيح، عشرات الملايين من بني آدم على عقيدة الشرك، فهل هذا دليل على الارتقاء التاريخي؟ الحقيقة انه ما زال يوجد في كل زمان- كما يوجد اليوم- كل نوع من أنزاع العبادة والعقيدة من أدنى ما يكون من الشرك إلى أرفع ما يكون من التوحيد، فأذن ليس التفاوت في التسلسل التاريخي وإنما هو في مدراج مختلف الناس باعتبار العقل والشعور والفكر.