ففي هذا المقام واجهت الإنسان المشاكل، فاخترع لنفسه ـ حسب كفاءته العقلية وقوة فكره وتمييزه وصلاحية ذوق وجدانه ـ طرقا عديدة نشاهدها اليوم في أشكال تمدنه وحضارته. لاشك أن الفطرة لا تفارق الإنسان ولا تخلي سبيله بكل معنى الكلمة في صدد هذا البحث والانتخاب والاختيار كما قلنا قبل، إلا أن الحقيقة في الوقت ذاته إنها لا تأخذ بيده مثل ما تأخذ بيد الحيوان عند كل خطوة من خطواته، وإنما تهديه إلى مطلوبه بإشارات لطيفة وتنور له الطرق الموصل إليه بضوء خافت لا يدركه أصحاب العقل العادي والبصيرة غير النافذة، ومن ثم قد فشل مرارا اختيار الإنسان وقوة تمييزه في البحث عن الطريق المستقيم وتفرقت به عن سبيله الطرق المعوجة الخاطئة. ما كان مقصود الفطرة، على سبيل المثال بإنشائها النزوع إلى الغذاء في الإنسان إلا أن يطلب لنفسه مادة يقيم بها أوده ويستعين بها على بقائه وحياته ويستعيض بها عن أجزائه المتحللة، إلا أن كثيرا من الناس ما أدركوا مقصود الفطرة ـ الأكل للبقاء ـ وحسبوا أن اللذة التي قد أوجدتها الفطرة على لسانهم، هي المقصود لذاتها، فاتبعوا هواهم وارتطموا في أوحال الأغلوطة:
((البقاء للأكل)). وكذلك ما كانت الفطرة أنشأت في الإنسان الطلب للبأس والبيت إلا ليحفظ به جسده عن عاديات الفضاء وتغيرات الجو، إلا أنه جاء يتبع هواه ويجعل هذا الطلب وسيلة إلى الزينة والتفاخر وإظهار الرعونة والتبختر، فتجاوز عن مقصود الفطرة وأولع بأنواع من اللباس الفاخر والأبنية الجميلة مما لا يعود وباله إلا على نفسه، وقل مثل هذا في سائر دواعي الفطرة، إذ قد اخترع الإنسان لقضاء مطالبها ـ على عدم فهم منه مقصود الفطرة وراءها على فهمه إياه ولكن بصرفه النظر عنه ـ طرقا لا تتفق مع مقصود الفطرة بل تنافيه في أكثر الأحيان. ثم ورث الخلف عن السلف هذه الطرق على أنها هي المدنية والحضارة والعادات والتقاليد والآداب الجديرة بالإتباع واشتدت وطئتها عليهم حتى ما بقيت لهم الحرية أن يزاولوا حقهم في الاختيار والتمييز طرق أسلافهم قوانين مقدسة لا يجوز الانحراف عنها بحال وقلدوهم فيها تقليدا أعمى (قالوا أنا وجدنا آباءنا على أمه وأنا على آثارهم مقتدون)، على حين لا تزال الفطرة تأخذ بأيديهم بإشاراتها اللطيفة كما كانت تفعل ذلك من قبل، وليس من الصعب عليهم إدراك إشاراتها بالعقل السليم وبقليل أو كثير من الجهد والاهتمام.
إشارات الفطرة للإنسان إلى إلهه:
وقد حدث مثل هذا لأمنية الإنسانية الفطرية أي بحثه عن إلهه. فهو لما بدأ البحث عن إله لنفسه، على اضطرار من عاطفة العبادة من داخل نفسه، بدأت الفطرة تشير له إشارات لطيفة إلى إلهه الحقيقي حتى يعرف أن إلهه هو من خلقه وهو غالب على أمره يرزقه ويرزق كل حي في الكون ويستحق منه الحمد والثناء بناء على حسنه وجماله وعلوه وكبريائه ونعمته عليه، وأنه هو الذي تستمد منه الشمس والقمر والنجوم ضوءها ونورها، وأنه هو الذي ينعم جماله على الأجساد المتكونة من الماء والتراب ما هي عليه من البهاء والرواء والجمال السافر وأنه هو الذي يظهر جلاله بمظهر الشوكة والبأس في أمواج الماء وطغيان الهواء وزلزلة الأرض وارتفاع الجبل وضراوة الأسد ولدغ الحية، وأنه هو الذي تظهر ربوبيته بمظهر المحبة والحنو في صدر الأم وبمظهر اللبن في ضروع البقرة وبمظهر الماء في كبد الحجر. فهذه هي الإشارات اللطيفة التي قد أنعمتها الفطرة على الناس على اختلاف درجاتهم في الفهم والإدراك وقد حاول كل منهم، على حسب قدرته، أن يحل العقدة بهذه الإشارات. فالإنسان لما كان على حالته البدائية الفطرية، كان يدرك هذه الإشارات فتراه لا يسجد إلا لذلك الإله الواحد الأحد الذي كانت إليه هذه الإشارات، ولكنه لما اجتاز هذه الحالة وبدأ يسلك طريق الفكر الاستدلالية، بدأت تحيط به الحيرة والضلالة.
تسكع الإنسان في حيرة الضلالة:
في الناس من بحث عن الإله المتوفرة فيه هذه الصفات في الأرض فأولع بالجبال والأنهار والأشجار والحيوانات الضارة والنافعة وجعل يعبد الأعضاء التناسلية ويعكف على النار ويسجد للهواء وينظر إلى الأرض نظره إلى أمه ويقدم إليها القرابين والنذر ـ أي لم يتجاوز نظره عما كان حوله من المرئيات والموجودات حوله ولم يطمئن بالآلهة الأرضية إذ رآها ـ على مثل شأنه ـ تعبد غيرها وتحتاج إليه في وجودها وبقائها فقال ما لي أن أمد إليها يد الاستعانة وأطأطئ لها رأس الطاعة والانقياد فنوجه إلى السماء وجعل يبحث فيها عن إلهه المنشود، فلما رأى فيها الشمس والقمر والنجوم اللامعة قال تلك هي الجديرة بالعبادة.
ومنهم من كان أدق منهما نظرا فلم يجد ما في السماء أحسن حالا مما في الأرض وقال مهما تكن هذه الشمس والقمر والنجوم بالغة في ارتفاعها وجسامة