تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

السماء والأرض لا إله مع الله؟ قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين". ويقول: أو لم يروا إلى الطير فوقهم صافات ويقبضن. مل يمسكهن إلا الرحمان، أنه بكل شيء بصير، امن هذا الذي جند لكم ينصركم من دون الرحمان، أن الكافرون إلا في غرور. امن هذا الذي يرزقكم أ أمسك رزقه، بل لجوا في عتو ونفور".

وأضح من هذا الكون في عبادة الله يساويها في الأجر والجزاء أيضا. وكل ما هنالك من الفرق بينه بين هذه الموجودات في صور الجزاء، فإنما أساسه على الفرق بين حاجات الانسان وحاجات هذه الموجودات، بحيث إذا صرفنا النظر عن صور الجزاء ونظرنا إلى الحقيقة مجردة ناصعة، علمنا ان الله سبحانه وتعالى كما يحفظ كل شجرة أو دابة أو طائر أو قطعة من العشب ويهيء لها الرزق وأسباب البقاء على قدر حادتها وصجها لقبول الجزاء، وان كل ما للانسان منة الفضل على غيره، انما هو على اعتبار صورة الجزاء لا على اعتبار حقيقة الجزاء وان صور الجزاء هذه موافقة كل الموافقة لطبيعة كل شيء وحاجته، فما انعم على الفار مثلا الا بما هو موافق لفطرته وحاجته، حتى ان ليست كل صورة أخرى غير هذه الصورة قد تحسبها نعمة الله على هذا الفأر، إلا مصيبة بحقه. وكل ما يشعر به أنعم رجل من اللذة والراحة والفرح بافتراس الأزهار، يشعر ب عينه كل طائر بافتراش التين، فالحقيقة أن صاحب العش قد قضيت له حاجته حسب صلاحيته للقبول. فنحن إذا رأينا من هذه الوجهة فان الطائر في عشه والإنسان في فراشه لا فرق بينهما من حيث نعمة الله عليهما: وهكذا لا فرق البتة في هذه القضية بين الكافر والشاكر والمؤمن والمشرك، لان الله ينعم بنعمة الخلق والرزق على الذين ينكرونه ويأبون السجود له أو يشركون به غيره ويجعلون له أندادا من الأحياء والأموات، كما ينعم بها على الذين يؤمنون به ويسجدون له و يوحدونه ولا يشركون به غيره، بل الكافر إذا فاق المومن في طاعة قانون الفطرة- العبادة الفطرية بكلمات أخرى- ينال جزاء بأحسن ما يناله المومن ولو كان جزاء لا يعدو في حقيقته أن يكون متاع الغرور.

لماذا تنشأ عاطفة العبادة؟

ومن هنا قد سهل علينا أن نحل هذا السؤال: لماذا تنشأ في الإنسان عاطفة العبادة من لدن فطرته ولماذا يبحث لنفسه عن الإله ثم يعبد ه؟ الجواب انه لما كان الكون وكل شيء فيه لا يعبد إلا حاكما قاهرا وكانت كل جارحة من جوارح جسد الإنسان متفرغة لعبادة هذا الحاكم القاهر وله وحده يسجد كل عنصر العناصر المتركب منها جسد الإنسان ولم تركب هذه العناصر في جسده إلا بإذنه، بل لا يتوقف وجود الإنسان وبقاؤه وحياته في كل لحظة من لحظاته إلا على عبوديته، لما كان الأمر كذلك فقد دخلت العبودية في طبيعة الإنسان وسيطت من دمه أراد ذلك أو لم يرده، وهو وان كان لا يرى معبوده أي حاكمه المطاع، ولا يتمثل لديه عمال حكومته كما يتمثل للناس عمال عمال حكوماتهم الدنيوية، إلا أن عاطفة عميقة إلى التواضع والخضوع تنشأ فيه على غير قصد منه، فيجد قلبه يبحث عن معبود لنفسه ليسبح بحمده ويقدم إليه قرابين العبودية والتذلل والخضوع ويستعينه في حاجاته ويتضرع إليه فيما يصيبه به الدهر من الآلام والمصائب. ذلك لأنه لم يولد إلا على عبوديته وطاعته ولا ينفك فيهما في كل لحظات حياته وقد أحاطت به وبكل ما حوله من شيء في هذا الكون حكومته.

فهذه هي الغريزة التي مازالت تجبر الإنسان منذ بدء الخليقة على أن يبحث لنفسه عن إله ويطأطئ له رأسه، وعلى مقتضى من هذه الغريزة من داخله قد اختار في كل زمان ومكان صورة لعبادته، وهذا هو العنصر الذي ظهر منه الدين.

هداية الفطرة للإنسان بصدد بحثه عن الإله لنفسه:

ولكن الواقع ـ كما قلنا قبل ـ أن الفطرة تنفض يدها عن الإنسان وتخلي سبيله في كل شأن من شؤونه بعد ما تنشئ فيه أمنية بسيطة ونزوعا مجردا حتى يقوم بنفسه بالبحث عن مطلوبه، أو قل بكلمة أخرى أن الفطرة تداعب الإنسان وتمتحن عقله: تشوقه إلى شيء لا يعرفه وتحرضه على بلوغه ثم تتوارى عن نظره لتتركه يعمل حواسه ويضرب زند عقله فيتبين ما الذي تنجذب إليه نفسه وتتطلبه طبيعته وما هو الطريق لوصوله إليه؟

مجلة دعوة الحق · الصفحة ١٤٨٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ١٤٨٠