في الأرض والأجرام قي السماء -مسخرا له على صورة واحدة مطردة، هو المعروف في لغتنا الإنسانية بقانون الفطرة أو الطبيعة، أنه لا يقوم شيء في هذا النظام إلا بما جعل إليه من الأعمال، فلا تهب الرياح ولا ينزل المطر ولا يسيل الماء ولا تتحرك النجوم إلا تحث قانون الفطرة أو الطبيعة هذا، وأن ما نعرفه بالحياة أو البقاء أو الصلاح، أن هو في حقيقته إلا نتيجة لطاعة هذا القانون، وأن ما نعرفه بالموت أو الفناء أو الفساد، أن هو في حقيقته إلا نتيجة لمخالفات هذا القانون، كان لنا أن نقول -بكلمات أخرى- أن كل ما هو حي أم باق في هذا الكون، إنما هو كذلك لأنه يطبع القانون. ولكننا كما نرى في مثال الحكومة التي تقوم بتنفيذه بغلبتها واستيلائها، وأنه لابد لإقامة نظام الحكومة وإدارة شؤونها من حاكم مقتدر مطاع مركزي، فكذلك ليست طاعة قانون الفطرة في حقيقتها إلا طاعة الحكومة والقاهرة التي وضعت هدا القانون وتقوم بتنفيذه بقوتها، وهذه الحكومة بيد حاكم قوي مقتدر لا قبل للقانون أن يسير في طريقه لطرفه عين ألا حسب مشيئته وإحكامه، فنحن بدلنا كلمة <<الطاعة<<ّالقانونية بمصطلح <العبادة <ّ الفقهي ووضعنا كلمة <الله<ّ مكان كلمة الحاكم <الحاكم القوي المقتدر في هذا المقام، يجوز ان نقول ان هذا الكون وكل ما فيه من شيء انما يعبد الله تعالى لان في عبادته اياه ينحصر بقاؤه وحياته، وانه اذا غفل عنها ولو للمح من البصر، لا يستطيع البقاء والحياة.
فهذه الطاعة- أو العبودية- هي التي عبر عنها في القرآن الكريم بالعبادة تارة وبالصلاة والتسبيح والتقديس أخرى وبالسجود ثالثة والقنوت رابعة، ومن ذلك قوله سبحانه وتعالى: "وما خلقت الإنس والجن إلا ليعبدون" وقوله: "وله من في السماوات ومن في الأرض ومن عنده لا يستنكرون عن عبادته ولا يستحسرون. يسبحون الليل والنهار لا يفترون " وقوله: " يسبح لله ما في السموات وما في الأرض الملك القدوس العزيز الحكيم" وقوله: "وله من في السماوات والأرض ومن فيهن، وان مؤتمرا شيء إلا يسبح بحمده بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم " وقوله: وله من في السموات والأرض كل له قانتون" وقوله: "والشمس والقمر بحسبان، والنجم والشجر يسجدان" وقوله: " أو لم يروا الى ما خلق الله من شيء يتفيا ظلاله عن اليمين والشمائل سجد الله وهم داخرون، ولله يسجد ما في السماوات وما في الأرض من دابة والملائكة وهم يستكبرون، يخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون" وقوله: " ولله يسجد من في السماوات والأرض طوعا وكرها وظلالهم بالغدو والاصال.
إن هذه العبادة والصلاة والحمد والسجود والتسبيح والقنوت مهيمن على كل شيء في الكون حيا كان أو غير حي، شاعرا كان أو غير شاعر، والإنسان نفسه مرغم عليه دون أن يختلف فيه عن ذرة الرمل أو قطرة من الماء، لأنه- سواء أكان يعتقد بالله أولا يعتقد به، أو لا وسواء يسجد له أو للحجر، ويعبده أو غيره-إذا كان يتبع قانون الفطرة ولا يحي ولا يموت الا بحكمة، فإنه يعبد الله طوعا أو كرها، على شعور منه أو عن عدم شعور، على قصد منه أو على غير قصد، أنه لا يسجد الا لله ولا يسبح الا بحمده وما من شيء من أعماله- من القيام والقعود والنوم واليقضة والأكل والشرب - الا هو عبارة عن عبادته لله ولو كان هو باختباره يسجد لغيره ويطيعه بقلبه ويده ولسانه، لان كل جارحة من جوارح جسده لا تشتغل الا بعبادة الله الذي خلقها ولا يدور الدم في عروق جسده الا لعبادة الله ولا يتحرك قلبه الا لعبادة الله ليس غير.
جزاء العبودية:
فما جزاء هذه العبادة وأجرها من عند الله تعالى؟ أنه نعمة الوجود والبقاء والحياة والرزق. فكل شيء يعبد الله باتباع قانون فطرته، يحيى الله وينال وسيلة البقاء المعبر عنها "بالرزق"، وكل شيء لا يعبده بالأعراض عن اتباع قانون فطرته يفسد وينقطع عنه الرزق ويحرم نعمة البقاء والحياة. لا شيء في الكون إلا وهو يعامل على هذا الوجه ولا فرق في ذلك بين الشجر والحجر والإنسان والإنسان والحيوان والكافر والمؤمن. يقول عز من قائل: " وما من دابة على الأرض إلا على الله رزقها ويعلو مستقرها ومستودعها" ويقول:" يأيها الناس اذكروا نعمة الله عليكم. هل من خالق غير الله يرزقكم من السماء والأرض. لا اله إلا هو فأنى تؤفكون" ويقول: "هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه" وقال:" امن يبدأ الخلق ثم يعيده ومن يرزقكم من