تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لقتله الغداء، وكما أنه يشعر بالبرد والحرارة على مطالبة من فطرته، فيلتمس لاتقائها الظل واللباس وكما أنه ينشأ فيه الطموح الى أداء ما في الأفكار والخيالات، فيأتي بالألفاظ والإشارات لقضائها، فهكذا ان عاطفة العبادة تنشا فيه من جهة الفطرة لقضائها إلها ثم يعبده.

غير اننا كما نرى في قضية الشعور بالجوع والبرد والحرارة وأمنية أداء ذات النفس، أن أثر الفطرة لا يعمل إلا الى حد داعية ( Motive ) تدعو الإنسان إلى تلمس الغداء واللباس والظل والألفاظ والإشارات وترغم من أعضاء جسده ما يتعلق بهذه الأمور على الحركة وأنه الى هذا الحد فقط يوجد الاشتراك في بني أدم إذ يضعف وراء هذا الحد أثر الفكرة ويقوي مكانه اختيار الإنسان نفسه وأنه من هناك يبدأ كثير من الاختلافات التي توجد بين مختلف أمم الأرض في كل زمان في الغداء واللباس والألفاظ من جهة صورها وأشكالها، فكذلك-تقريبا- فإن عاطفة العبادة ترفع يدها عن الإنسان وتخلي سبيله بعد ما تحمله الى العبادة وتنشئ في نفسه رغبة فيها وحاجة إليها، أما من يختاره بعد ذلك إلها لنفسه ويعبده ... فهذا ما لا يقضي فيه إلا برأيه حسب ما تسعفه به قوة انتخابه واختياره، ولا يبدأ إلا عند هذا الحد للاختيار والانتخاب، ذلك الاختلاف في تعدد الآلهة وطرق عبادتها، الذي يتراءى في كل شيء يختاره الانسان بقصده وإرادته، صحيح أن هداية الفطرة لا تخلى سبيل الإنسان بكل معنى الكلمة حتى ولا في هذه المرحلة، كما أنها لا تخلي سبيله كل التخلية في سائر المطالب الفطرية كالغداء واللباس مثلا، ولكن لا تكون هذه الهداية إلا خفيفة جدا حيث ان الإنسان ليحتاج لإدراكها الى شعور بالغ النهاية في الدقة والإرهاف، وهو شيء لا يكون إلا عند قليل من الناس.

فتعال نتبين الآن: ما هي انطلاق هذه الدعاية وأين مركز الجاذبية التي تدفع الإنسان الى العبادة دفعا وما هي القوى التي تحفزه على أن يلتمس لنفسه إلها ثم يعبده، وما هي الهداية التي يتلقاها من جهة الفطرة في صدد هذا الالتماس؟ والذي أرى أننا إذا أردنا ذلك، فلابد ان نتفكر قبل كل شيء في حقيقة كلمة «العبادة» لأنه من المستحيل بدونه ان نجد جوابا مقنعا على هذه الأسئلة؟

حقيقة العبادة:

إن تصور العبادة في حقيقته تصور شامل يكتمل بامتزاج تصورين ضمنيين هما:

1) العبودية و2) الخضوع والتدلل.

أما العبودية فمعناها أن يعترف الإنسان بكبرياء قوة عليا فوقه ثم يطيعها، وأما الخضوع والتذلل فمعناها أن يعتقد الإنسان في هذه القوة العليا قداسة وعظمة ثم يطاطيء لها رأسه ويؤدي لها مراسيم التذلل والسجود والأدغال.

فالأول هو تصور العبادة البدائي الأساسي، والثاني هو تصورها النهائي المكتمل، فإذا كان الأول بمنزلة الأساس، كان الثاني بمنزلة البناء فوقه.

وها نحن أولا نتناول التصورين بالبحث على حدة على حدة:

من الظاهر أن الإنسان حين يأتي بها لقوة يكون لها القهر والغلبة والاستيلاء على نفسه وهو لا يجد لنفسه من قبل بعصيانها والخروج عن سلطاتها، والصورة المحدودة المصغرة لهذه العبودية ما نراه بين السيد وخادمه، الا أن أوضح مثال على هذه العبودية على نطاقها الواسع المتكامل، تلك الطاعة التي يأتي بها المواطنون لحطومة بلادهم، ما الحكومة بشيء يأتي تحث الحس أو المشاهدة، وإنما هي التقيد بنظام اجتماعي يسيطر بغلبته على ملايين من أفراد البشر ولكن تراهم يتبعون قوانينها طائعين ومكر هين أين ما كانوا في بيوتهم أو أسواقهم أو مزارعهم أو مدنهم أو قراهم أو في طرق بعيدة حيث لا شيء ينفذ فيهم أرادتها بالقوة، بل اذا خالف أحدهم قوانينها في داخل حدود سلطتها ونفوذها، لقى العقاب وإذا خرج عليها وأبى أن يعترف لها بالسيادة، سلب كل ماله من الحقوق كفرد من أفراد رعاياها، ومعنى هذا أن كل من يسكن في حدود دولة من الدول فانه يطيع حكومة تلك الدولة ويتبع أحكامها، كان لنا، اذا استعملنا الاصطلاح الديني مكان هذه الألفاظ، أن نقول انه «يعبد» تلك الحكومة.

ومع هذا التصور وانظر في الكون نظرة شاملة تر أن ليس فيه من شيء-من أصغر ذرة للرمل في الأرض الى أكبر سيارة في السماء-إلا وهو مسخر تحث نظام مهيمن لا قبل له بالحراك عنه ومستسلم لقانونه الشامل طوعا وكرها حيث إذا خالفه وأبى له الانقياد، فسد وفنى، فهذا القانون الذي نرى كل شيء في السموات والأرض - من الإنسان والحيوان والشجر والحجر والماء والهواء وما إليها من الأجسام

مجلة دعوة الحق · الصفحة ١٤٧٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ١٤٧٨