تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

دعوة الحق، س.2، ع 10 /يوليوز 1959 .................... ص3

تصور العبادة في الإسلام

للسيد أبي الأعلى المودودي

أمير الجماعة الإسلامية بباكستان

تعريب محمد عاصم الحداد

ان تصور العبادة أول وأهم تصورات الإنسان الدينية، بل هو تصور الدين الأساسي، ومن ثم لم يوجد ظفي النوع البشري دين- سواء كان أوهاما للأمم البدائية أو عقائد للأمم المتمدنة المتحضرة- بعد خاليا من تصور العبادة وفكرتها، وكل ما قد اكتشفه الإنسان حتى الآن في صدد علم الإنسان والبحث عن الآثار القديمة من حالات الأمم الحاملة لأقدم الحضارات، يشهد شهادة ناطقة بأن هده الأمم مهما كانت واغلة في القدم متردية في أحط منازل العقل والفكر والشعور، بذلت ما وسعها من الجهد في البحث لنفسها عن اله وانتهاج طريق ما لعبادته (1)، بل لا حاجة الى التعرض لحالات الأمم الماضية، إذ توجد اليوم في كثير من أنحاء الأرض أمم لا تزال على مستوى الأمم القديمة باعتبار عقلها وفكرها، أو قل بكلمة أخرى أنها لا تزال تمثل في حياتها العصر الابتدائي للنوع البشري، فقلما وجدت من بين هذه الأمم أمة تعد خالية كل الخلو من تصور العبادة والمعبود (2)، مما يدل دلالة واضحة على أن كل ما اجتازه الإنسان من الأدوار والتطورات في تاريخه منذ أقدم الهمجية الى أحدث المدنية، ما زال تصور العبادة ملازما له فيه ولو على صور مختلفة ومظاهر متنوعة عديدة.

العبادة عاطفة فطرية:

لماذا كل هذا؟ ولماذا بقى ولا يزال هذا التصور مطبقا الأحوال واختلاف الأماكن والأزمان؟ افترى الإنسان تبناه على إرادة منه؟ الجواب: كلا، لأنه لو كان الأمر كذلك، لما ساد هذا التصور أبناء البشر على مثل هذا الوجه، إذ من المستحيل عقلا ان ينعقد الإنفاق بينهم على شيء ما أوجده إلا الاختراع والإرادة وتشترك فيه الجماعات الإنسانية كلها على صفة واحدة في كل دور من ادوار تاريخها، كما انه لا يكاد يتصور البتة ان يكون الناس في كل زمن عقدوا مؤتمرا عالميا ليتفقوا فيه على العبادة مهما كانت آلهتهم مختلفة وطرقهم لعبادة متنوعة.

وإذا تقرر هذا، فلابد من الاعتراف بان العبادة عاطفة قد سبطت من دم ابن آدم من لدن فطرته (3) فكما ان الإنسان يمسه الجوع بسائق فطرته فيتلمس

1) هل الذي تدل عليه إحداث الاكتشافات بصدد علم الإنسان ان الأمم الحاملة لأقدم الحضارات الإنسانية الأولى كانت على عقيدة التوحيد وكانت بريئة كل البراءة من أثار الشرك ومراسيمه (راجع كتاب «علم الإنسان» للدكتور بيرن امررالف ايهرن فلس) وهذا مما يصدق القرآن أكمل تصديق في دعواه ان التوحيد هو دين الإنسان الأول ولم يظهر الشرك إلا في ما بعد، وقد قلب هذا الاكتشاف نظرية فلسفة الدين في القرن التاسع عشر.

2) راجع الكتاب المذكور.

3) ولقائل ان يقول في هذا المقام معترضا لن الدنيا وجد فيها في كل زمان عدد كبير من بني آدم إفرادا وجماعات لا يتدينون بدين ولا يعيدون أحدا باعتقادهم ولا أعمالهم، فالجواب على هذا أنه كما لا يدل وجود عدد كبير من الختالي في الدنيا على كون تجادب الرجل والمرأة عاطفة فطرية، وأنه كما لا يدل على وجود الرهبان في الدنيا على أن ليس الزواج بعاطفة فطرية، فكذلك لا يدل وجود أفراد وجماعات ميتة ومنطفئة فيهم عاطفة العبادة لأسباب مخصومة على صدق دعوى ان ليست العبادة بعاطفة فطرية في الإنسان.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ١٤٧٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ١٤٧٧