وأن لك إخوانا في كل هذه البلاد التي ذكرنا يشاركونك تحمسك لهذه المجلة واهتمامك بها وحرصك على استمرارها في تأدية رسالتها الروحية والفكرية، يشهد بذلك ما يحمله إلينا البريد من كل هذه البلاد في كل يوم، من رسائل التنويه والتشجيع والمطالبة بالزيادة في كمية النسخ والمراسلة، ولو أننا عمدنا إلى نشر هذه الرسائل التي يصل إلينا بعضها من شخصيات يحسب لرأيها حساب كبير، لكان ذلك خليقا بان يدخل السرور على نفسك، ولكننا في الحقيقة نفضل أن نستفيد من هذه الرسائل على أن نتخذ منها فرصة للإعلان.
لقد كنا معا نشكو مر الشكوى من تدهور الحركة الفكرية في بلادنا، ومن قلة الإقبال على الكتابة من القادرين على الكتابة، وقلة الإقبال على القراءة من القادرين على القراءة! ولسنا نستطيع الآن أن نزعم أن بواعث هذه الشكوى قد اختفت، ولكننا نستطيع أن نلاحظ بارتياح أننا قد ساهمنا مساهمة عملية مفيدة- إلى جانب الجرائد والمجلات الأخرى التي تصدر بالمغرب- في التخفيف، ولو شيئا ما، من حدة هذه البواعث وقسوتها وضراوتها.
إن عدد القراء يزداد باستمرار، وعدد الكتاب أيضا يزداد باستمرار، وأن مما يحق لهذه المجلة أن تفخر به أنها استطاعت أن تكتشف لك كتابا جددا لم تعرفهم من قبل في غيرها، وأن تحمل كتابا آخرين معروفين لديك على العودة إلى الميدان مرة أخرى بعد أن كانوا قد غادروه، وأغرقوا في الصمت، وتخلو عن واجبهم نحوك لسبب أو أخر، وما أكثر هذه الأسباب، وقد يكون من بينها أحيانا الشكوى منك أنت نفسك، أما لأنك لا تهتم كثيرا بأن تقرأ، وأما لأنك لا تعلم على أن تشعرهم بأن في نفسك صدى لما يكتبون!!
وأنت عزيزي القارئ تعلم جيد العلم، انه ليس أفشل للكاتب أو الشاعر أو الفنان، من أن يشعر أنه وحده، وأنه يصبح في واد، وأن الناس في شغل شاغل عن عمله أو شعره أو فنه.
وهكذا يبدو لك بوضوح أن دورك -كقارئ- في بعث الحركة الفكرية والأدبية والفنية في بلادك ليس بالدور البسيط، وانك مسؤول إلى حد كبير عن مدى تخلف هذه الحركة أو ازدهارها، وعن مدى تقدمها أو تأخرها، وانك تستطيع إذا شئت أن تنفخ الروح في الكتاب الذين داخلهم اليأس، وأن تستنزل المعتصمين منهم بأبراجهم العاجية، وأن ترغمهم على النزول إلى أرض الناس ليستمعوا منك ويتحدثوا إليك! وما عليك لكي تفعل كل ذلك إلا أن تشعرهم أنك تقرأ لهم وتتجاوب معهم، وتقبل بعض ما يكتبون إليك وترفض بعضه الأخر، وترضى عن بعض إنتاجهم ولا ترضى كل الرضى عن بعضه.
وتأكد أن هذه هي العصا السحرية التي تستطيع أن تحركها ليتضاعف إنتاج الكتاب والشعراء والفنانين في بلادك، وليزداد عددهم، وليمضي الحركة في طريقها نحو التقدم والازدهار.
هذا هو دورك أنت، أما دور هؤلاء الكتاب والشعراء والفنانين فليس من موضوع هذا الحديث وقد تناولناه بالكلام في عدة أحاديث أخرى سابقة في هذا الركن بالذات.
*
عزيزي القارئ الكريم.
لا نريد أن نطيل عليك في هذه المرة، فنحن لم نقصد من هدا الحديث أكثر من أن نودعك، و أن نتواعد معك على اللقاء مرة أخرى في العدد الأول من سنتنا الثالثة في فاتح أكتوبر المقبل، وحتى هذا الموعد نرجو أن لا تقطع الصلة بيننا وبينك، وأن تكتب إلينا بكل آرائك وتوجيهاتك وملاحظاتك.
ونتركك الآن لهذا العدد الضخم الكبير، داعين لك بالعون والتوفيق، والسلام عليكم.
دعوة الحق