المعرفة، فعلى الشعب العربي في المغرب أن يكون كملكه واثقا من نفسه ومن قدرته على الوصول إلى المعرفة، ولابد من الاعتراف بأنه بين الشعب ــ غالبية الشعب ــ وبين المعرفة التي يصبو إليها ويصبو إليها الملك، طريقا مليئا بالأشواك. ولكن لابد لنا أن نتفاءل مع الملك ولابد لنا أن نبتسم معه وأن نعمل كلنا، ولابد لأهدافنا واصلون.
وفي المجلة (خطاب لولي العهد المليء بحيوية الشباب وحماس الشباب) يعتب ويشد مهمازه على (الكسالى) يتململون، وأن ظروف الشعب العربي في المغرب أثناء صعوده بعد سنوات وسنوات من العنت والاضطهاد ومن الخمول والركود، وظروف المعركة العربية في الجزائر والتي لا يمكن أن تكون معركة عرب مراكش، والانتفاضة القومية في كل أقطار الوطن العربي، لتضيف صوتها إلى (المواطن الأمير ولي العهد) ونقول كما قال بأن ماضينا وواقعنا مادة خصبة لمن يريد أن يعيش مع الشعب وللشعب، وإني لمطمئن الأمير إذ لمحت على جباه شبابنا الصاعد بريق أمله، وكله أمله فيك وفي أن لا تلهيك مهمتك العظمى في بناء القوات المسلحة عن المشاركة دوما في معركة إنشاء القارئ باللغة العربية وحينها ــ يا سمو الأمير ــ متى كثر القراء باللغة النابغة من ضمائرهم ــ نعم حينذاك يتحقق املك العظيم في انبثاق عدد أكبر من الفطاحل المبدعين الناشطين، ويومها ننبذ (الكسالى) نبذا يا سمو الأمير.
ثم تواجهك في العدد (كلمة لوزير التهذيب الوطني بمناسبة الأسبوع الثقافي أيضا) تدور حول: (حظ الثقافة في التربية الدينية) وخطابه في الواقع ليس كلمة، بل هو مقال جاد وهام، والوزير يواجه موضوعه مواجهة تاريخية علمية تحليلية، كان بارعا في تخطيط القيم والأساليب، وأهم ما في المقال أنه تناول الموضوع بإحساس فتمثل لتاريخنا الثقافي وعوامل تطوره وكذلك نوع فهمه لواقعنا الحديث القديم معا، ولا يسعك إلا أن تحترم جدية دراسته وسمو مقصده، ولا أكون مبالغا إذا قلت بأن الموضوع كان نموذجا رائعا في تسلسله السلس البديع، بحيث أصبح مترابطا كل الترابط، متكاملا كل التكامل، وما أجمل قول وزير عندما يقول: (أن اكتساب المعرفة ليس غاية في حد ذاته وإنما هو وسيلة للإفادة في الحياة) ثم يقول في تسلسل محبب: (ويشترط وجود عوامل لتؤدي هذه الرسالة: إدراك الواقع ــ اكتساب المعرفة ــ الرغبة في الإنشاء ــ التشبع بالحياة الجماعية ــ).
وباختصار الدعوة قائمة بأن يجد المرء نفسه ويدرك سبب وجوده ثم يتحمل رسالته بكل مسؤوليتها.
ثم ينتقل على مناقشة تلك النقاط نقطة نقطة وبهدوء لا يمل، ثم تنسجم في المقال السياسة الدينية مع التربية الشعبية فينتقل بك إلى (الوسائل التي استخدمها قادة الفكر الإسلامي لنشر هذه الثقافة عن طريق التربية الدينية) ويبين تطور ذلك مع تطور الأمة، يعالج (دور العبادات من شهادة وصيام وحج وصلاة وزكاة ثم دور الجهاد الذي أضافه الخوارج ركنا سادسا لهم) ثم روح التعاون الكامنة في الإسلام ثم يبين لنا أساليب ووسائل نشر الثقافة والتشجيع على المزيد منها، ودون ملل سير بك الكاتب إلى (لابده) ــ (لابد أن توجه ثقافتنا توجيها صحيحا لئلا نسير في منعرج الطريق بدلا من أن نسلك الصراط المستقيم) ولابد من (لكن) يا معالي الوزير، وقبل (لكن) لابد من الاعتراف بأن قدر جيلنا كان قاسيا، فتوجهت ثقافة قسم منا وسارت في منعرج، ولا ثقافة لقسمنا الباقي إلا ما كان نزرا ويسيرا.
إنني أرى يا معالي الوزير أن الإنسان كلما قطع شوطا من الطريق يتحتم عليه أن يقف وأن يلتفت حوله، فقد يكون ضل طريقه فإن كان ــ لا ــ عزم وسار، وأن كان قد ضل يا معالي الوزير فلابد له أن يعود إلى نفس المكان الذي ضل عنده الطريق ثم يبتسم ثم يسير.