تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

يؤمن بينه وبين سائر الحيوانات إلى أن تأمن بجواره، ويخاطبها بقوله: " فما بيني وبينكما فرق" وتشكل هذه الفلسفة العلائية نظرية جديدة في الأدب، وجاءت هذه الجدة من أن مضمونها الحي لا يقتصر على محيط الإنسانية بل يشمل سائر الكائنات الحية، لا أدنى باعتبارها مخلوقات أدنى قيمة وجودية من الإنسان، ولا باعتبارها بالتالي مخلوقات مسيرة لمنفعة البشرية ورفاهيتها، بل باعتبار صلة الأخوة بالمعنى الأعم " وما من دابة في الأرض، ولا طائر بطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم".

والأدب في حياته الطويلة كان، ولا يزال يعبر في الدرجة الأولى عن كل ما يتصل بالإنسانية وعواطفها وتأملاتها، وأحلامها الجنسية، أما من دون ذلك من العلاقات، والروابط النسبية بين الإنسان وسائر الكائنات الحية، فإن التعبير عن ذلك كان يأخذ دورا ثانويا، باعتبار أن هذه الحيوانات أدنى قيمة وجودية من الإنسان، ولأنها منفصلة عنه في الجنس، والطبيعة والسلوك، وطريقة التعايش في الحياة، والتجاوب في الشعور الوجداني، مما جعل فيلسوف الشرق، الأديب الشاعر " ميخائيل نعيمة" يؤكد هذه الحقيقة حين حدد غاية الأدب ومن أن "إبراز الشخصية الإنسانية بوصفها محورا للأدب، فكل أدب لا يعود إلى الإنسان، ويمس الإنسان في ضميره ليس أدبا".

أنه هو الذي يعترف في نفس الوقت والمكان بما هو حقيق في ذاته، وخيري، وصالح ونبيل، فيقول: " والإنسان لا يزال يترقى حينما يتعرى عن ذاتيته. . " ثم يضيف قائلا: " أن الطبيعة لا تزال تؤثر في نفسي، لدرجة أنني بت أشعر عندما ألمس الصخر، كأنني ألمس كائنا حيا" يا لهذه الحساسية العميقة في فهم الطبيعة أن تحليل الأشياء تحت المجهر، وظهور الآلات العلمية الحساسة كشفت عن حركت الحياة في النبات، والجماد مما جعل الأدباء المحدثين يتفهمون حقيقة الحياة على نحو يتصف بروح العلم.

لقد ظهر حديثا عالم أمريكي من علماء الكيمياء يقول بنظرية تثبت أن أصل الإنسان من النبات، وبذلك هدم النظرية الدروينية التي تزعم أن أصل الإنسان من سلالة القرود، أن الأدب لم يجهل هذه الحقيقة، كما لم يجهل التفسير الديني لأصل الإنسان.

ومقالة " مع حكيم القردة" لا أظن أن هناك حرجا في أن يتحدث قرد بلسان بشر، لأنه على زعم العلم أصل الإنسان، ولأنه أسهل وأطرف من أن يتخيل الإنسان قردا ضخما في تكوينه العضوي، الذي يضارع جسم الإنسان، وهو يلقي خطابا سياسيا أمام مكبرات الصوت، في قاعة هيئة الأمم المتحدة، وهو يؤكد معاني عبارته بإشارات اليد، وضرب المائدة.

وهو يخرج بعد ذلك من المجلس، ويده في يد السيد " همرشولد" ويقف ليتيح للصحفيين وشركات السينما والتليفزيون، فرصة التقاط الصور التقليدية، أن ذلك أفضل بكثير من أن يتخيل الإنسان ديكا يقوم بهذا الدور أن السيد "همرشولد" في هذه الحالة إما أن يضع الديك في كف يده، وإما أن يتواضع لحضرة الديك، وينبطح على الأرض ليشعره بمكانته.

ومن جهة أخرى، فإن التجارب العلمية أثبتت قدرة القرد على تمثيل، وتقليد ما يؤمرون به، ما هو من خصائص الطبيعة الإنسانية، فظهر اليوم في عالم الفن، قرد فنان، يملك الريشة ويرسم الصور بالألوان الطبيعية الزيتية، والمائية.

وقد شاهدت في القاهرة شريطا سينمائيا صغيرا عن قرود حديقة الحيوان في ألمانيا، إنك تشهد حفلة ملاكمة داخل حلقة المصارعة، المحاطة بالقوائم الأربعة الخشبية، والحبال، والأبطال من القرود وقد لبسوا القفاز الجلدي التقليدي والمتفرجون من القرود، وهم يصيحون، ويشدون شعور رؤوسهم.

ويبدأ الشوط بكل دقة، حين يصغر الحكم، وفي منظر آخر تشهد هذه الجماعة تمثل فرقة " الجازباند" بحركاته الجنونية، أن القرد أصبح اليوم يقوم بدور رئيسي في الأفلام في حركة متقنة معبرة مليئة بالانفعالات البشرية من ضحك وغضب، والقيام بدور مربية الأطفال حين تغيب سيدة البيت يقوم القرد بإعطاء بزازة اللبن إلى الطفل، وينظف فضلاته ولعابه. أن الفن اليوم اتجه إلى إدخال العنصر الحيواني في الأعمال الفنية بصفة عامة، بنفس النظرية التكاملية التي آمن بها " المعري" منذ ألف عام.

أن أحدا لم ينتقد أعمال " والت دزني" حين أضفي على صوره المتحركة، ما هو من خصائص الطبيعة البشرية من أفعال، وانفعالات. . .

معذرة، إذا ما فهم من هذه المقارنة بأعمال عمالقة الكتاب الأدباء، أنني أتطاول إلى هذه العلياء من الذرى الذاهبة في السماء أنني قزم قابع في قاع المنحدر، أترقب ما يتساقط غافيا من رياش أجنحة هؤلاء النسور، المشرعة أجنحتهم بين الزرقة والسحاب والشموس.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ١٤٥٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ١٤٥٥