دعوة الحق، س. 2، ع 9 / يونيو1959 .................... ص 79
القرد والديك
للأستاذ عبد القادر السميحي
كان الأستاذ عبد القادر السميحي قد بعث إلى المجلة بمقال تحت عنوان: " مع حكيم القردة " وبعث مع المقال صورة لقرد يضرب على الآلة الكاتبة، طلب إلينا أن ننشرها مع المقال.
وفي العدد الرابع من السنة الثانية نشرنا معها الصورة. وفي العدد الخامس بعده علق على المقال الأستاذ محمد العربي الخطابي في باب " العدد الماضي في الميزان" بقوله:
وحيث أنني لا استسيغ في الأدب والسياسة أن يتحدث قرد بلسان البشر، لا سيما حين يريد الكاتب أن يجعل من القرد حكيما، فإنني لم أتذوق ما كتبه السيد السميحي على لسان هذا الحيوان ولم أطرب له. وقد جرت العادة أن ينطق الكتاب حيوانات أليفة تعيش مع الإنسان مثل الحمار والكلب والديك. . .
وننشر اليوم هذا المقال للأستاذ السميحي الذي بعث به إلينا، يعتب على كون المجلة لم تنشر صورة القرد مع مقاله السابق، و يرد على الأستاذ محمد العربي الخطابي.
حينما أكدت على أن تنشر صورة القرد، الذي يضرب على الآلة الكاتبة، في مقالة " مع حكيم القردة" كنت أعني بوضوح ما لهذه الصورة المعبرة من ترابط موصول التأثير بالموضوع بوجه عام، فضلا عن الترابط التكاملي بين الطرفين، ونقيض ذلك ما حدث لأسباب، قد يكون من ضمنها وجوب طلب الإذن مقدما، تبعا لقانون حقوق النشر، الخاص بالصور والمقالات.
وهكذا فقد المقال عنصرا حيويا معبرا، وقد كان الهدف من ذلك في الدرجة الأولى، هو الاتجاه المعروف بالسخرية عند " برنارد شو" وغيره، وهو مذهب يصور الحقيقة الإنسانية، عارية بلا دثار، حتى من ورق التوت. . لا علينا، والمهم، ما لوحظ من رأي حول المقال، وهو مجرد من الصورة مصدر الموضوع " من أن العادة جرت على أن يستنطق الكتاب حيوانات أليفة مثل الكلب، والديك".
هل حقيقة أن الكتاب التزموا التمسك بهذا المفهوم بكل دقة، بحيث لم يتجاوزه إلى ما عداه من الكائنات الحية.
ولماذا كل هذا التضييق على حرية التعبير في مجال الأدب؟ وهل طبيعة الفن تقبل الالتزام بمذهب دون آخر؟ ما قطع أحد يأمر كهذا، فليس أضر بالأدب من محاولة كهذه، والمعروف أن الأدب تناول بوجه خاص سائر مخلوقات الله من الحيوانات، من بعض أمثلة ذلك كتاب " كليلة ودمنة" و " توماس هاردي" وشوقي المعري؛ وألمهم دائما في فن الأدب، هو العمل الفني ذاته بصرف النظر عن الوسائل التي اتخذها واستغلها أي كاتب لبناء عمله الفني، سواء كانت مستمدة من الطبيعة البشرية، والمواضعات الاجتماعية، أم من غيرها من طبائع الكائنات الحية. فالذي يظل للبحث النظري، هو النص الأدبي، هو الغاية نفسها، وغلى أي مدى نجح موضوعا ما، في إحداث الأثر النفسي في الآخرين. . . وهل في الإمكان أن يقتصر على عنصر من عناصر الحياة، دون بقيتها؟ وهي التي ظلت، ولا تزال مربوطة مثله بعجلة الحياة. .
أن الأدب ينمو ويزدهر، ويزداد حيوية، وإثراء وفنا، ما تعددت وتكاثرت صور المرئيات البصرية، مع تقدم الحضارة الإنسانية، وقد اكتسب الأدب قيمة جديدة هي ما عبر عنها " بفجر الحس المشترك" وهي التي تعد " من مظاهر العبقرية الإنسانية" على حد تعبير كل من " تاجور" و " جوتيه" وهي التي تفهمها بحساسية عميقة، ذلك الشاعر الحالم " م. جويو" في كتابه " مسائل فلسفة الفن المعاصرة" (ترجمة الأستاذ سامي الدروبي طبع القاهرة):
" إنني أسير ألوف المخلوقات التي أحبها، إذا هزتها خطرة من نسيم، أحسست أن شيئا مني ينتزع، ويقتلع. . ولن يستطيع الإنسان أن ينظر إلى نفسه متسائلا عن هذا النوع الأدنى من الإنسانية، التي تحيط به".
وهذا " فيتاغورس": " علم، أن كل ما يولد وفيه دبيب الحياة، ينبغي أن ننظر إليه جميعا نظرتنا إلى أبناء الأسرة الواحدة".
وشاعرنا العظيم " المعري" قد توصل إلى معرفة هذه الحقيقة، وأحدث اتجاها في الأدب العربي يتصف بالأصالة المذهبية الهادفة إلى اتجاه يعرف اليوم "بالأدب الملتزم" وجاء الكثير من أعماله الأدبية معبرا عن هذه القيمة الجديدة في المضمون، اتسع مداها إلى ما وراء محيط الإنسانية، فهو