تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

تجعل منها كتلة متراصة البنيان، وأمة واحدة كاملة المقومات، تقوم شخصيتها وينهض بنيان كيانها على دعائم راسخة، لا يتطرق إليها الوهن، ولا يحوم حولها الضعف، فهي قد احتلت رقعة أرض في هذا العالم، تشكل وحدة جغرافية وإقليمية لا تنفصم عراها، وامتدت من تخوم القطر المصري شرقا، إلى المحيط الأطلسي غربا، واحتضنتها الصحراء من الجنوب، وعانقتها أمواج البحر الأبيض المتوسط من الشمال. وتعد سلسلة جبال الأطلس التي تخترقها من الغرب إلى الشرق بمثابة العمود الفقري لوحدتها الترابية، فلا يوجد بين أجزائها ما يشبه أن يكون فاصلا طبيعيا، مثل ما يوجد بين أقاليم وشعوب أخرى، وزاد وحدتها إحكاما هذا الموقع الحيوي الحساس، على ضفة الأبيض المتوسط، الذي جاء وسطا بين الشرق والغرب. فأخذ أبناء هذه الأمة من حضارة الأول روحانيته السامية ومثله العليا، ومبادئه الإنسانية، ومن مدنية الثاني أساليب الجد والنشاط في الأخذ بأسباب الحياة العملية، وطبعوا الكل بطابعهم الخاص، الذي نتج عنه وجود حضارة مغربية ذات ميزة خاصة.

هذه الوحدة الطبيعية، قد دعمتها وأحكمت أواصرها وحدة عنصرية وجنسية امتدت جذورها في أعماق التاريخ مع عشرات القرون، حيث كان هذا الوطن مستقرا ومقاما لأبناء الأمازيغ يعيشون في ظله في وحدة متماسكة، أمكنها أن تصارع المحتلين وأن تقف في وجه المغيرين الأجانب، الذين تعاقبوا على أرضهم، إذ استطاع البربر - بفضل وحدتهم - أن يحافظوا على خصائصهم وعاداتهم وتقاليدهم الموروثة، وأن يصونوا شخصيتهم من الذوبان والانحلال في شخصية الغزاة الوافدين.

"وهكذا ظل هذا الشمال الإفريقي قديما بين المد والجزر في علاقاته مع الأجانب الذين غزوا هذه البلاد من الفينيقيين إلى البيزنطيين الذين انتهى عهدهم، وانهارت دولتهم الإفريقية المتداعية على يد الفاتحين العرب. ولكن هؤلاء الفاتحين الجدد لم يجدوا أمامهم من عنف المقاومة وشدتها نظير ما وجد الغزاة الأولون من الوطنيين البربر الذين تميزوا دوما بشدة البأس والنزوع إلى الحربة، والتشبث بأهداب الأخلاق المثلى، كالإباء والأنفة والشمم، لأن هؤلاء سرعان ما أدركوا أن هذا الفاتح الجديد - أعني العرب - يختلف تمام الاختلاف عن جميع من تعاقبوا على بلادهم من الفاتحين، لأنه لم يكن من غرضه الاستغلال المادي الجشع، والاستحواذ على كل ما تصل إليه يده من خيرات الوطن وثرواته، وإنما هدفه الوحيد هو نشر الهداية الإسلامية بين البشر، ورفع علم الأخوة والعدالة والمساواة، والدعوة إلى الوئام والإخاء والتسامح، والتعاون الحر من أجل بناء مجتمع قوي صالح، تتوافر فيه أسباب الخير والسعادة والحرية.

ولقد كانت هذه المبادئ الإسلامية الخالدة في مقدمة العوامل التي مكنت للفتح العربي بشمال إفريقيا، وجعلت أهل البلاد يسارعون إلى الانضواء تحت لوائه في أقصر مدة، فاتخذوا من الإسلام دينا، ومن العربية لغة، وانسجموا مع إخوانهم الوافدين عليهم في وحدة دينية وقومية وسياسية متينة .. ضلت قائمة تغالب الأحداث، حتى انتهت إلينا في وضعها الحالي.

هذه هي الحقيقة الناصعة التي سجلها التاريخ العادل بين صفحاته، واعترف بها المؤرخون المنصفون للفتح العربي في شمال إفريقيا، بالرغم من أن بعض المؤرخين الاستعماريين المدلسين لم يتورعوا أن يحاولوا مسخ هذه الحقيقة التاريخية، وتشويه صورتها الجلية، بغية بذر بذور التفرقة والخلاف بين الإخوة الذين وحدت بين قلوبهم كلمة الله، تحت لواء الإسلام والعروبة.

ومنذ ذلك الالتقاء التاريخي بين العنصرين، اللذين يذهب بعض المؤرخين إلى أنهما يرجعان إلى عنصر واحد هو العنصر العربي، وهو سر الامتزاج والتوافق الذي تم بينهما بسرعة فائقة، منذ ذلك اليوم تكونت هذه الأمة العربية الجديدة كثمرة لذلك الالتقاء في هذه النقطة الحساسة من العالم، فأسست عديدا من الدول العربية الإسلامية، فرضت نفسها على التاريخ خلال قرون متطاولة، وحقب مديدة وكانت مصدرا لانبثاق حضارة عربية إسلامية، انتشر نورها وسرى إشعاعها في أرجاء القارة الأوربية عن طريق الأندلس، هذه القارة التي ظلت تعيش في ظلام دامس من الجهالة والانحطاط، حتى بزغت في أفقها شمس تلك الحضارة، فأضاءت أمامها واتخذت منها أساسيا لمدنيتها الحالية.

إن هذه النظرة العابرة التي ألقيتها حول الماضي البعيد والقريب لهذه الأمة، ترينا أن وحدة المغرب العربي هي حقيقة واقعة فعلا، منذ عصور طويلة. وليس ما نسعى إليه اليوم، وما نعمل بسبيله إلا تدعيما لكيان تلك الوحدة وترميمها لبنياتها، الذي دأبت معاول الاستعمار الأجنبي على دك قواعده، و تحطيم جداره على مر الأيام، لأن الاستعمار قد عمل منذ اللحظة الأولى التي احتل فيها بلادنا على تمزيق شملها، وتفريق كلمتها، وتبديد قواها، بما أوجد بين أجزائها من الحواجز المصطنعة، والحدود الموهومة حتى كاد يسود الاعتقاد بشرعيتها، والتسليم بأنها أمر واقع، لا مجال للتفكير في القضاء عليها وإزالتها من عالم المحسوس، كما أزيلت من عالم المعنى في اعتقاد شعوبنا المؤمنة بحقيقة هذه الوحدة الوفية لماضيها التاريخي في هذه الأرض، والتي تود أن تراها تتمثل في العمل الإيجابي لصيانة المصالح المشتركة لشعبنا في المغرب العربي. وكما هي رغبة قادتنا وآمالهم التي أعربوا عنها في غير ما مناسبة، وعبروا بوضوح عن عزمهم وتصميمهم على إبرازها من حيز الأمل إلى حيز العمل.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ١٤٢٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ١٤٢٧