فهل يمكن أن يبقى لدينا أي مبرر لعدم وضع وحدتنا موضع التطبيق الفعلي، في بعض المجالات الممكنة، مادامت حرب الجزائر تحول دون تطبيقها في جميع الميادين .. ؟
إن هذا هو ما يطمح إليه أبناء المغرب العربي، وما يتشوقون إلى المبادرة بتحقيقه، إرضاء لعاطفة أخوية وقومية كامنة في صدورهم، وتلبية لرغبة ملحة تفرضها الأوضاع السياسية والمطالب الوطنية في هذا العصر، الذي يزداد فيه الاهتمام ببناء التكتلات الإقليمية والسياسية، بين بعض الدول والشعوب، التي قد لا يكون هناك من داع لتكتلها غير حب الهيمنة والتوسع، نظرا لافتقاد المقومات الأساسية، التي تقوم عليها الوحدة الطبيعية السليمة بينها، وإنما هي الأطماع السياسية والاقتصادية وبعض الدول الكبرى في فرض استعمارها (بشكل جديد) على بعض الأمم والشعوب الصغيرة. كما تريد فرنسا أن تصنعه مع بعض شعوب إفريقيا.
في الوقت الذي تقف فيه هذه الدول - بمؤازرتها لفرنسا في حرب الجزائر - حجر عثرة في طريق إنجاز وحدة المغرب العربي، تلك الوحدة الطبيعية التي وضع صرحها على دعائم راسخة - كما أشرنا- من الدين واللغة والتاريخ والجغرافية، وترتبط أجزائها برباط وثيق من المثل والأخلاق والعواطف المتجاوبة، وكلها عوامل منطقية وسليمة، ذات أثر وفعالية بالغة، استطاعت معها أن تقف صامدة في وجه القوة الباغية وأن تحبط جميع الخطط التي اختطها الاستعمار لتحطيمها وجعل ذراتها تغدو هباء منثورا في مهب الرياح. ولكنه باء في مسعاه بالفشل، وحاق به البوار والخسار.
ومن الأدلة البينة على عمق وحدتنا وصلابة عودها، ورسوخ أقدامها - إن كان ذلك يحتاج إلى دليل - هذا التجاوب المتداول، وهذا التفاعل العميق بين الحركات القومية التحريرية في أقطار المغرب العربي. فقد وحدت بينهما الآلام قبل الآمال، واتحدت في كفاحها وسيرها نحو بلوغ أهدافها، وساندت بعضها بعضا في السراء والضراء، وبدت في جميع ظروفها النضالية كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضا، إلى أن اعترف الاستعمار باستقلال جناحي المغرب العربي، وأحنى رأسه أمام بطولة أبنائهما المكافحين. وما انفك الأبطال الذين يخوضون معركة القلب يواصلون كفاحهم بعزم وإيمان، إلى أن يحظى مغربنا العربي بكامل سيادته، وتتحرر جميع أجزائه.
ومن الجدير بالذكر في هذا الصدد، الإشارة إلى حقيقة ماثلة للعيان، ولو أن أعداءنا يحاولون إخفاءها أو تلوينها بألوان خداعة، وهي أن هذه الحرب التي شنها الغرب وما زال يشنها على شعوب العالم العربي والإسلامي، ماهي في حقيقتها وجوهر أمرها إلا حلقة من سلسلة الحروب الصليبية، التي ما برح يغذيها الحقد العنصري الاستعماري الأوربي، ضد الأمة العربية والإسلامية، ولكنها تبدو للرأي في أشكال متنوعة، ومظاهر مختلفة، فهي تأخذ صبغة الحرب الباردة المتجنية، كما يجري في ربوع الشرق العربي، وطورا آخر تتكشف في طبيعتها الوحشية الفتاكة بصفة سافرة، نظير ما يمثل على مسرح الجزائر باسم فرنسا، إحدى دعائم الحلف الأطلسي الغربي، الذي يأبى أن يدعنا وشأننا نبني وحدتنا في ظلال السلم، ولا يريد منا إلا أن نحقق هذه الوحدة، ونشيد صرحها على أكوام من جثت الضحايا والشهداء. ليكن - إذن ما أراد الغرب، بل ليكن ما قال شاعرنا العربي:
ولا يبني الممالك كالضحايا ولا يعلي البلاد ولا يحق
وللحرية الحمراء باب بكل يد مضرجة يدق
ومن هنا يجب أن نصارح أنفسنا بأنه على الرغم من هذا الرباط القوي، الذي يشدنا إلى بعضنا، وبالرغم من توافر العناصر التي تغذي وحدتنا، وبالرغم من التفاؤل الذي ما برحنا نرضي به عواطفنا، بالرغم عن كل هذا فإن وحدة المغرب العربي ما تزال تجتاز امتحانا عسيرا وشاقا، في أرض الجزائر المجاهدة. وليس امتحانها هذا إلا امتحانا للأمة العربية جمعاء.
فهل يقدر لها أن تجتاز هذا الامتحان الشاق العسير بسلام؟
ذلك ما يؤمن به أبناء المغرب العربي وأبناء العروبة قاطبة. وذلك ما أجاب به مؤتمر طنجة التاريخي منذ سنة، فيما اتخذه وأذاعه على العالم من مقررات. ولكن النجاح في الامتحان، والفوز بالنتيجة المرضية، التي نطمح إليها معشر العرب، ما يزال رهينا بالكفاح الصامد المشترك، والنضال الفعال الموحد، والجهاد الشاق العسير، الذي نبذل فيه الأنفس والنفائس بسخاء وكرم.
فبذلك نستطيع - بعون الله - أن نخرج بوحدتنا من المعركة التي نخوضها ضد العدو المشترك، ظافرة منتصرة، تتحدى الطغيان، وتغالب أحداث الزمان. وما جمعته يد الله لا تستطيع أن تفرقه يد الشيطان.