تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فأساليب " التطويق الدائري" لم تسفر بعد في عمليات وهران عن نتائج مسرحية ــ كما هو المفروض ــ كما أن الاعتماد كثيرا على " فرق المطاردة" لم يقلص من أهمية التخطيطات الحربية التي يعتمدها جيش التحرير، والتي ترتكز على أساس الوحدات الصغيرة المتنقلة.

والواقع أن غالبية الأساليب العسكرية ــ التي غدت تتركز بواسطتها العمليات الفرنسية في "القبائل" على الأخص ــ تؤول في استعمالها إلى حقبة طويلة نسبيا، ومع ذلك فإن الكلف بالاعتماد عليها لم يسهم بصورة جدية في تعديل وجه الحرب بالجزائر تعديلا جوهريا وحاسما، وهذا ما يتناقض ــ في صميمه ــ مع البيانات الفرنسية المتفائلة كامل التناقض.

أما منشأ هذا التناقض فيؤول ــ على ما يبدو ــ إلى أساسين اثنين:

1) تقييم النتائج العسكرية تقييما انفراديا بالنسبة إلى كل معركة على حدة والإغضاء عن اعتبار ذلك بالقياس إلى الوضع العسكري العام.

2) سيطرة الأهداف ذات الصبغة الدعائية السيكولوجية على كثير من البلاغات و البيانات الحربية الفرنسية.

ومن البيانات على ذلك قصة " الربع ساعة الأخير" وقد غدا يبدوا أنها أخذت تفقد فعاليتها التأثيرية، ولذا فقد ضعف الاهتمام باستعمالها كثيرا في الآونة الأخيرة.

هذا وقد أخذت ترتسم في الأفق العسكري الفرنسي من جديد ملامح حركات تراجعية داخل فرق اللفيف الأجنبي، تلك التي تشكل إطارا عسكريا ضخما ضمن الجهاز الحربي الفرنسي، وقد أشارت بعض اليوميات الفرنسية ــ في هذا المقام ــ إلى إمكانية انفصال ثمانية وثلاثين من اللفيف عن القوات الفرنسية ومبارحتهم الجزائر تحت إشراف السلطات الوطنية الجزائرية.

هذا بالإضافة إلى ما أخذ يلوح من تزايد في الخلافات بين القيادة الفرنسية بالجزائر والمسؤولين في باريس حول التدابير الضرورية لمواجهة أعباء العمليات في مختلف المناطق.

ومن جانب آخر فقد تمكن جيش التحرير من تسجيل انتصارات استراتيجية هامة، وذلك عندما تأكد أخيرا ما تم له من نجاح في تدمير كثير من الأجزاء في خط موريس المكهرب.

ولهذا فقد رأت القيادة الفرنسية نفسها مجبرة على الشروع في إعادة بنائه من جديد، ومن شأن ذلك أن يقسر الاستراتيجيين الفرنسيين على إعادة النظر في التخطيطات العامة التي يعتمدونها في حربهم بالجزائر.

وإذا ما وضعنا في الاعتبار ــ إلى جانب كل ذلك ــ ما بدا يتأكد من تدريب الشبان الجزائريين على الطيران في يوغوسلافيا أدركنا مغزى التأكيدات التي رددها وزير الأنباء الجزائري والتي جاء فيها: " إن جيش التحرير يحتفظ بمفاجآت مذهلة للجنرال دوكول".

أراء أجنبية:

جاك بيرك: مع من يتعين علينا أن نتفاوض؟ مع الخصم بالطبع! ولا يعني ذلك أننا نعتبره الممثل الرئيسي والوحيد، أن الشعب الجزائري بكامله هو الذي له أن يحدد مستقبله بنفسه، ولكن القوة التمثيلية لجبهة التحرير أو الحكومة الجزائرية أو كيفما دعوناها تعتبر كافية لإنهاء الصراع، وعلى هذا فإنه سيكون حتما علينا أن نجري المفاوضات معها.

ومثل هذه المفاوضات ــ بالرغم من أنها لا تستطيع أن تحدد بالضبط سير التاريخ ــ فإنها مع ذلك ــ يمكن أن تكون سبيلا لإيجاد قواعد معينة وتحديد شروط مخصوصة، وقد برهنت خمس سنوات من الصراع العقيم أنه ليس من الجائز تدمير إرادة التحرير عند الأكثرية الإسلامية كما أنه ليس من الممكن إقصاء الأقليات الأوربية.

إن التوفيق بين هذين المتناقضين يبدو صعبا ومعقدا، ولا يمكن انجازه نهائيا إلا بتأثير الزمن أي بالإدماج التدريبي للجزائر، ولكن لا في غيرها من الأقطار بل في ذاتيتها هي وفي وسعنا أن نفسح المجال لمثل هذا التطور عن طريق المفاوضات.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ١٤٢٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ١٤٢٥