الزيارات توجيها يتلاءم مع استغلال هذه الناحية الهامة، وعلى هذا الأساس فإنه سيكون في وسع الرئيس الجزائري أن يستثمر فرصة وجوده المفترض في يوغوسلافيا ليظهر شعوب شمال المتوسط الشرقي على حقيقة المشكلة والعناصر الدراماتيكية التي تكتنفها والسوابق الخطيرة التي تنبثق عن استمرارها بالإضافة إلى الإمكانيات الانفجارية المهولة التي تنطوي عليها. أن هناك كثير من المجالات العالمية التي يمكن ارتيادها على هذه القاعدة، ولا أخال إلا أن رحلة الرئيس لجنوب شرقي آسيا كانت أساسا لعمل من هذا النوع، وذلك ما حدا بي إلى اعتبارها ــ في حديثي السابق ــ نصرا هاما للحكومة الجزائرية على الأخص ولقضية الجزائر على العموم.
الوضع العسكري:
أعلن السيد رئيس الجمهورية الجزائرية المؤقتة في أحد أحاديثه الصحفية الأخيرة: أن الصراع في الجزائر يجوز أن يمتد إلى 20 سنة أخرى وأن الشعب الجزائري يتوفر على الاستعداد المادي والنفسي لمواجهة هذا الاحتمال العسكري الضخم.
ومن الجلي أن هذا التصريح يكتسي في كثير من دوافعه صبغة سياسية وديبلوماسية واضحة، وعلى هذا فيجوز أن يقدر على أساس اعتباره ردا حاسما وحازما على المبادرات الاستهوائية الفرنسية تلك التي تستهدف إغراء القادة الجزائريين واستدراجهم إلى مضمار التسليم غير المقيد، ولكنه ــ في نفس الوقت ــ ينطوي على كثير من الاحتمالات الجديدة التي ترتبط وثيق الارتباط بالميدان العسكري الصرف.
وقد الصحافة السياسية الأمريكية بإبراز بعض هذه الاحتمالات فأشارت إلى ما يمكن أن يكون قد تم هناك من اتفاقات مبدئية بين حكومتي الجزائر والصين حول تزويد القوات الوطنية الجزائرية بأحدث فصائل الأسلحة والمعدات الحربية الحديثة. وقد أعلنت " نيوزويك" في هذا الصدد عن إمكانية وقوع المصادفة المبدئية بين حكومة الجزائر وبكين حول صفقة هامة من الأسلحة ترقى قيمتها المالية إلى 25 مليون دولار وتضم كثيرا من معدات الميدان وأسلحة د. ك. أ وغير ذلك من التجهيزات الحربية الضخمة.
هذا في الوقت الذي يتأزم فيه الوضع العسكري في الجزائر تأزما بالغا طبقا لما تعكسه البلاغات الحربية المنبعثة عن الجانبين المتقاتلين.
وقد عبر عن هذه الحقائق الجنرال " فور" قائد العمليات بالقبائل وذلك حينما أعرب عن شعوره بعدم كفاية القوات الفرنسية المرابطة في المنطقة المواجهة للمتطلبات العسكرية التي يقتضيها الوضع الحالي. كما أعربت عنها جريدة " نيويورك تايمس" الأمريكية عندما نوهت بتزايد النشاط الحربي لقوات جيش التحرير واستقرار الأوضاع المتأزمة بالبلاد استقرارا مقلقا.
وهذه الحراجة في الوضع بمجموع التراب الجزائري كانت من بين الحوافز التي حدت بالقيادة الفرنسية إلى مضاعفة الاعتماد على الواجهة السيكولوجية أكثر من أي وقت مضى، وقد بدا ذلك في تركزهم العسكريين الفرنسيين على استنزاف أكبر قسط من التأثير المعنوي على العمليات التي قادها الجنرال كامييز في وهران، وقد كانت هذه العمليات موضوع كثير من الصخب المصطنع الذي استثارته السلطات العسكرية الفرنسية واختلقت له أسباب الذيوع والنفاق في فرنسا والجزائر على السواء.
ويبدو من دراسة أساليب الغزو السيكولوجي الفرنسي، أن تلك الهالة التي أحيطت بها عمليات وهران كانت تستهدف في المحط الأول الغايات السيكولوجية ذات التأثير المزدوج: تطمين المدنيين الفرنسيين ونسف معنويات السكان الجزائريين بالإضافة إلى الانعكاسات الدولية الهامة.
ولكن تطورات الوضع العسكري في مختلف المناطق لم يكن من شأنه إلا أن يسهم في التقليص من قيمة هذه التقديرات العسكرية التي كانت تفترض كنتائج حتمية لعمليات مقاطعة وهران.
وقد أشار الرئيس فرحات في معرض حديثه عن هذه العمليات إلى أن " الثورات الشعبية العامة لا تتأثر مطلقا بالأساليب العسكرية أو غيرها".
والواقع أن العسكريين الفرنسيين قد أصبحوا كلفين أكثر من أي وقت مضى بإبراز القيمة العملية للتقنية الإستراتيجية التي يعتمدونها في ميدان العمليات. وقد أخذ يبدو أنهم يتخذون ذلك ذريعة لإقناع الملأ كأن الثورة الجزائرية هي على عتبة نهايتها المحزنة.
إلا أنه لم يبرز في مجال النشاط العسكري العام ما يمكن أن يؤيد معقولية هذه التقييمات الجزافية التي يعزون إليها ألوانها من الفعالية الخارقة،