تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

جريدة " ليكو دوران" وذلك حينما أكدت أن " مقاطعة الاستفتاء لم تكن نتيجة لاحتذاء أسلوب انتخابي معين، بل كانت وليدة عوامل أكثر أهمية وأعمق خطورة، ومن بين ذلك: الهوة السحيقة التي غدت تفصل بين الجماهير الإسلامية وبين الساسة المنحدرين من أصل أوربي. . . "

*

على أن هذه المبادرات السياسية التي تتمثل في الانتخابات وغيرها لم تكن من شأنها أن تغير من طبيعة الأوضاع الناشزة التي تجثم على الجزائر والحقائق المريرة المنبثقة عنها، تلك التي تصيب الكيان الاقتصادي الفرنسي في الصميم، ولكن الوعي الصحيح لهذه الحقائق لا يزال يجتاح الكثير من الأوساط والمقامات في فرنسا. وقد تجلت بعض مظاهر ذلك مجددا في المناقشة السياسية التي نظمها أعضاء لجنة الدفاع عن الحريات والسلام في أواخر أبريل وعالجوا فيها موضوعا أساسيا وحيويا: " كيف يمكن توقيف الحرب في الجزائر". وقد عبر الأستاذ (جون بارك) من " كوليج دو فرانس" عن رأي كثير من ممثلي الفكر الفرنسي المتحرر، وذلك حينما نو دفي خطابه أثناء النقاش "بالقوة القانونية التي يتوفر عليها الكيان الجزائري، وقد قال في معرض ذلك ولكن في شيء من الغموض: " إذا كان للشعب الجزائري أن يرتضي الإبقاء على " روابط" مهينة بفرنسا، فسوف لا يتم ذلك إلا إذا كان يرغب فيه، ولكي يستطيع التعبير عن هذه الرغبة فإنه يتحتم أن يعترف له قبل ذلك بالكيان المتميز".

وكان الأستاذ " بيير ستيب" من أعضاء الاجتماع أكثر صراحة وواقعية، وذلك حينما أكد قائلا: " إننا نؤثر سلما يتم مع (خصومنا) السياسيين على أن نواصل حربا يورث نيرانها أصناف من لاكوسط ومولي. . "

ومن جانب آخر فقد طالب بيان أذاعه اتحاد القوات الديمقراطية ــ في أواسط الشهر المنصرم ــ طالب بالاعتراف للشعب الجزائري بالحق الطبيعي في تقرير المصير وبالتفاوض المباشر مع الوطنيين الجزائريين، لأجل إيقاف النار، وإيجاد تسوية سياسية عامة لمجموع المشكلة الجزائرية، وقد أشار الاتحاد في مقدمة البيان إلى أن " الآمال التي علقت على الجنرال دوكول قد غاضت الآن، فقد وضح أخيرا أن سياسته تستمد مصادرها من أراء العسكريين ورجال الأعمال، ولهذا فلا تعدو أن تكون سياسة الاعتمادات المالية والإصلاحات الممنوحة والانتخابات الموجهة تلك التي لا تفسح مطلقا للشعب الجزائري مجال التعبير الحر عن إرادته الحقيقية، وعلى هذا الأساس فإنه لا ينتظر أن ينبثق عنها أي نظام قار ومشروع. . . "

*

وفيما تتطور انعكاسات القضية الجزائرية بهذا الشكل على الصعيد الشعبي الفرنسي، تأخذ الحكومة الفرنسية في مضاعفة المجهود من أجل تحديد النطاق الدولي حول الحكومة الجزائرية ونسف القاعدة العربية التي ترتكز عليها، وقد أخذت ترتسم في الأفق الدبلوماسي الفرنسي ملامح اتجاهات غريبة ترددت أصداء كثيرة لها في أواسط الشهر الماضي، وقد وضح كثيرا أن الأمر كان يتصل بعزل الحكومة الجزائرية عن الجمهورية العربية المتحدة بواسطة الأساليب الإغرائية الاستهوائية وقد خالت الدبلوماسية الفرنسية أن كل ذلك ممكن إنجازه عن طريق الاتصال بالسيد ثروت عكاشة أحد المسؤولين العرب البارزين وأغدق الوعود الاقتصادية عليه إغداقا.

وليس هناك من ضرورة التعليق على هذه الأصداء الدبلوماسية الغربية، إلا أن الذي يعني أكثر من ذلك هو ملاحظة الألوان من النجاح الذي تحرزه حكومة الرئيس فرحات في المجال العربي وعلى الصعيد الدولي العام. وفي هذا المقام فإن الرئيس الجزائري لا يزال يواصل سلسلة التنقلات التي يقوم بها في مختلف البلاد العربية والأقطار الصديقة، وذلك ضمن إطار مسؤولياته كرئيس للحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية.

هذا وقد أخذت الأصداء تتردد حول اعتزام الرئيس الجزائري القيام برحلة خاصة إلى يوغوسلافيا، ومن شأن هذا ــ إذا تم وقوعه ــ أن يساعد الحكومة الجزائرية على افتتاح أفاق قطاع جديد من قطاعات نشاطها السياسي الدولي. وليس ضروريا أن يتوقف نجاح مثل هذه الزيارات على تحقيق نتائج دبلوماسية مسرحية كالاعتراف مثلا، ذلك أن القضية الجزائرية ليست ــ في جوهرها ــ قضية سياسية فحسب بل هي أن جانب ذلك قضية إنسانية ومثالية، ولهذا فإن هناك كثيرا من الإمكانيات لتوجيه مثل هذه

مجلة دعوة الحق · الصفحة ١٤٢٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ١٤٢٣