تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

القاعدة السياسية والقومية للمشكلة، ولكن الوقائع تؤكد عكس ذلك تماما، فقد عاد الرئيس فرحات عباس في 3 مايو المنصرم إلى الإعراب مرة أخرى عن رغبة حكومته والشعب الجزائري في إيجاد قاعدة صالحة لإنهاء الصراع الحالي، وقد عرض نفس سبيل ذلك استعداده للاجتماع بدوكول أو أي مندوب يعينه الرئيس الفرنسي على أن يتم ذلك في أرض محايدة أو شبه محايدة.

وإذا ما استوعبنا مضامين التصريح الجزائري في هذا الصدد فإننا نلفيه مجردا عن كل عناصر تطرفية أو تهوسية، فلم يحدد الرئيس الجزائري مقتضيات أخرى ــ لإمكانية التآم المؤتمر ــ إلا أن يتم ذلك في بلد محايد، وهذا شيء طبيعي ومعقول، وتبدو معقوليته أكثر وضوحا إذا ما وضعنا إذا ما وضعنا في الاعتبار تغاضي الرئيس عن اقتضاء تحديد جدول أعمال معين.

وعلى هذا فإن الاجتماع المفترض لم ينطوي ــ بالنسبة للفرنسيين ــ على أية عناصر إرغامية أو قسرية كما كان عليه الأمر بالقياس لمؤتمر جنيف في قضية الهند الصيني، بل أنه كان ــ في حالة ما لو تم انعقاده ــ أداة قد كان يمكن أن يتوسل بها فقط إلى سير أغوار الإمكانيات التفاهمية بين الطرفين المتضادين، وليس من شأن ذلك إلا أن يضفي على قضية اختيار المكان اللائق للمؤتمر أهمية بالغة الخطر، والأمر هنا له ارتباط بجوانب سياسية لها اعتبار كبير، ذلك أن إقدام الرئيس الجزائري على الانتقال إلى باريس للإجراء محادثات غير مقيدة بجدول أعمال محدد لم يكن له ــ في كثير من الجوانب ــ وعلى الأخص بالنسبة للرأي العام الفرنسي ــ إلا أن يعتبر استسلاما مجردا، وعلى اعتبار ما قد يجوز أن يكون نمت من جدية في الضمانات الشخصية التي قيل أنها منحت للوفد الجزائري، فإن المؤتمر لم يكن من شأنه أن يفضي ــ في هذه الحالة ــ وخاصة إذا انتهى إلى إخفاق ــ إلا إلى تعزيز المكاسب " النفوذية" التي كم يحرص الجنرال دوكول على توفير أجوائها وإنماء أسبابها، وبالتالي، فإن القضية الوطنية الجزائرية سوف لا تكون حينئذ قد أحرزت على أي تقدم إيجابي ومعقول، على أن الأوضاع في الجزائر لم تكن على نحو يجبر الوطنيين الجزائريين على التهالك ــ بهذه الصورة ــ على مفاوضات من هذا الصنف.

ويتجلى ذلك كثيرا عندما نضع في الاعتبار قصة الانتخابات البلدية التي تم إجراؤها بالجزائر في غضون الأسابيع الأخيرة، والتي تكشفت عن حقائق سياسية هامة جدا.

فقد أمكن للمراقبين السياسيين أن يلاحظوا صحة التنبؤات المتشائمة التي كان يدلي بها الكثيرون حول نتائج الانتخابات.

وقد كان من السيد " كورجو" رئيس لجنة المراقبة أن أعترف صراحة بجزئية نتائج هذه الاستشارة وانحصار مجالاتها في مناطق من الجزائر دون أخرى، وقد أشار ــ في هذا الصدد ــ إلى أن 260 مركزا انتخابيا لم يتم لها أن تشارك بالمرة، وذلك بالنظر لانعدام الجو الملائم لذلك، بينما توجد مراكز أخرى في مناطق كالأصنام و " باطنة" و " عنابة" و " سطيف" لم تندرج ضمن القطاعات الانتخابية لأنه لم يتوفر لها مرشحون لصحة إجراء ذلك.

والواقع أن سلبية موقف الغلاة من الترشيح والتصويت كان ذا أهمية بالغة، ولكن مفاطعة الجماهيرالجزائرية لها كانت القاعدة الأساسية التي نشأ عنها ـ كما يعترف به كثير من المراقبين ـ الإخفاق العام لهذه الانتخابات.

وقد تم بالفعل بذل أشق المجهودات لإبرازها في إطار معين ومحدد، وقد حصل اللجوء في سبيل ذلك أحيانا إلى الأساليب القسرية المباشرة كما أمكن لكثير من المراقبين أن يلحظوه.

أما الأسباب الموجبة لكل ذلك فيبدو أنها تركز في النقط الآتية:

1) منح الانتخابات مضمونا سياسيا معينا.

2) استثمار ذلك المضمون لتحقيق هدفين أساسيين:

أ - على الصعيد الداخلي: تعزيز أساليب الحرب السيكولوجية.

ب - في الميدان الخارجي: تزويد الملف الفرنسي بمستندات ضرورية وأساسية.

وعلى ضوء هذه التقديرات يمكننا أن نقدر مدى المفهوم السياسي العميق الذي كان من شأنه أن ينشأ عن سلبية نتائج هذه الانتخابات، وقد لمحت إلى هذه الحقيقة ــ في شكل من أشكال المنطق التوسعي ــ

مجلة دعوة الحق · الصفحة ١٤٢٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ١٤٢٢