وقد عبرت عما يقارب هذه الآراء الجريدة الاشتراكية الألمانية " فرانكفورت راندشو" وكثير غيرها من وحدات الصحافة الدولية والعالمية.
وهكذا فإن الوضع في الجزائر قد غدا ينطوي على كثير من الإمكانيات الانفجارية المهولة، وليس من ضرورة للقول بأن هذه الإمكانيات ـــ إذا ما انطلقت من عقالها ـــ فأنها قد تفضي ـــ كما رأينا سابقاه ـــ إلى احتمالات تبرر الظنون التي تساور حتى الرسميين في فرنسا.
ولعل هذه التخمينات الصحيحة كانت من بين ما اقتاد الجنرال دوكول إلى الانفكاك قليلا من نطاق الغموض والإبهام الذي كان يصطنعه، والإفصاح يسيرا عن حقيقة آرائه في " حل" المشكلة الجزائرية. ولم تكن نظرية الرئيس الفرنسي ــ من قبل ــ تتناءى كثيرا ــ كما ألمعنا إليه سابقا ــ عن النظريات التي يتبناها الغلاة، ولم يكن بين النظريتين من عوامل التباعد إلا ما يرتبط بنوعية الوسائل وطبيعة الأساليب ولهذا لم يكن عسيرا على الجنرال أن يعود فيعبر عن تبنيه بصورة علنية ـــ لأراء الغلاة في الاندماج والتآخي وغيرهما.
كان ذلك في الثاني من مايو الماضي عندما أدلى رئيس الجمهورية بحديث طويل له إلى " ليكو دوران" وقد عالج الرئيس الفرنسي في حديثه كثيرا من النقط الهامة التي تتصل بمواضيع الساعة في القضية الجزائرية، ولم يكن في الحديث من عناصر الجدة والمفاجأة شيء هام، ولكن ـــ مع ذلك ـــ كان ينطوي على الاعتراف إلا أن يؤكد ما لحظناه سابقا من مثانة العلاقة الموجودة بين نظريات الغلاة في الإدماج وبين المناهج الدوكولية الحالية.
فقد أشار الجنرال في استجوابه مع الصحفي الفرنسي إلى أن سياسته الجزائرية ليست ـــ في جوهرها ـــ إلا تكريسا لنظرية الإدماج وتجسيدا لمضامينها، وقد قال في هذا الصدد: " ماذا يراد بالمفهوم السياسي لكلمة الإدماج؟ هل يراد به أن (الجزائر فرنسية) وهل من الضروري أن نردد ذلك على ألسنتنا؟ أليس ذلك موجودا فعلا؟. ."
وبهذه الطريقة البسيطة يجد الجنرال نفسه قد تناءى كثيرا عن موافق المتأثرين بالغلاة والمكرسين لإراداتهم من المسؤولين الفرنسيين القدامى، وعلى هذا فإن " الكولية" تبدو الآن وهي أعمق تأثر بالنظريات الالحاقية من " المولية" ولو في أكثر صورها غلو ورجعية.
ويبدو من استقراء الوقائع أن الحديث الذي أذاعته " ليكو دوران" لم يكن في منشئته أو في شكله ذا بواعث تلقائية واعتباطية، بل أنه بدا وكأنه حلقة أولى في سلسلة أخرى من التجارب السيكولوجية الجديدة التي تسهر على تنسيقها مصالح الغزو المعنوي في الجزائر، ويعتمدها الجيش الفرنسي كثيرا في حربه مع الشعب الجزائري، وآية ذلك ما تردد في الأسابيع الأخيرة من أصداء (مصدرها في الغالب مصالح الحرب السيكولوجية في الجزائر) من أن الكثير من أعضاء الحكومة الجزائرية المؤقتة قد يكونون أعربوا عن رغبتهم في تقبل سلام غير مشروط طبقا لعروض الجنرال دوكول!! وقد سجل بيان " رويتر" في هذا الصدد ما يلي:
لقد كان القادة الجزائريون في القاهرة يرفضون كل احتمال لقبول عرض الجنرال دوكول، وكانوا يصرون على أن كل حوار سياسي يتعين أن يتسم إجراؤه في بلد محايد، وذلك ما لم تكن الحكومة الفرنسية تتنازل لقبوله بأية صورة من الصور، أما الآن فيبدو أن أغلبية الوزراء الجزائريين يعتزمون القدوم إلى باريس على الرغم من أنه لا يتضح الآن هل هم مستعدون فقط لقصر التفاوض على مسألة وقف إطلاق النار. . ."
على أن هذه السلبية الجزائرية ــ المتجسدة في رفض إجراء " التفاوض" ــ لا تعني غموضا مذهبيا أو تهوسا قوميا قد يخال أنه يهيمن على عقلية الوطنيين. لقد كان من الممكن أن تتسرب مثل هذه الاتهامات إلى الذهن لو أن القادة الجزائريين كانوا يناوئون مبدأ التفاوض مع فرنسا على أساس