الصحافة الدولية والعالمية، وقد كانت مجلة " نيو زويك" (أنباء الأسبوع) الأمريكية من بين المصادر التي تلاقت عندها بعض هذه الانعكاسات.
كان ذلك حينما نشرت في إحدى طبعاتها الأخيرة تفاصيل استفتاء سياسي أجرته أخيرا في فرنسا، وأكدت أنه يمكن أن يكون مرآة تقريبية لموقف الرأي العام الفرنسي ــ حاليا ــ من مشكلة الجزائر. وقد كانت نتائج الاستفتاء ــ في الواقع ــ غريبة بل ومذهلة ولم يكن لها إلا أن تؤكد ظاهرة انعدام الاستقرار الاتجاهي التي يتميز بها الرأي العام الفرنسي في الحقبة الأخيرة.
فقد أعلنت الإحصائية التي تشكل نتائج هذا الاستفتاء أن 43 في المائة من الفرنسيين يساندون بادرة التفاوض مع رجال الثورة الجزائرية، وكان ذلك في شهر شتنبر الماضي، إلا أن هذا الرقم قد تعدل بعد ذلك كثيرا، فقد أكدت الإحصائية التي أمكن الحصول عليها في شهر يناير أن عدد المحبذين من الفرنسيين لمبدأ التفاوض مع الثورة الجزائرية قد غدا يمثل 53 في المائة من مجموع الرأي العام الفرنسي، أما في أواسط مارس فقد ارتفع الرقم إلى 75 في المائة.
فما مفهوم هذا كله؟ هل من الممكن النفوذ منه إلى استكناه حقيقة الفكرة الصحيحة التي غذت تمثل الاتجاه الشعبي الفرنسي؟ هل من الجائز أن يكون الأمر عكس ذلك تماما؟
الواقع أن أيا من الاحتمالين ليس له أن يضبط واقع التفكير الشعبي الفرنسي وانفعالاته حيال مأساة الجزائر، أما العلة فبسيطة، وهي أن هذا الصنف من التفكير الموضوعي المجرد عن المؤثرات والهالات لم تتوافر أسبابه وعوامله بعد، وليس من المقدر أن يتم ذلك عاجلا، ولهذا فإن الإمكانيات السياسية المدهشة تلك التي تعبر عنها هذه الأرقام لا يجوز أن يطمأن إلى صلاحيتها كثيرا، لأنها تعكس حالات انفعال طارئ وموقوت، وليست في أية صورة من الصور ثمرة تركيز فكري عميق، أم اتجاه أساسي سليم. ولعل الرجات الاقتصادية التي يعاني منها النظام الحالي توجد من بين العوامل الرئيسية الموجبة لنشوء هذه الظاهرة الاتجاهية التي يعكسها الاستفتاء، ولهذا فإنه سوف يكون من الميسور كثيرا للغلاة أن يستعيدوا زمام المبادرة في هذا المجال، وذلك عن طريق مضاعفة المجهود السيكولوجي الذي يعتمدونه كثيرا في ضمان استمرار قدرتهم على " توجيه" التيارات الشعبية في فرنسا.
على أن هذه الإحصائيات بالرغم من تفاهة المدلول السياسي الذي تعبر عنه، فإنها مع ذلك قد تسوغ كدليل على مدى ما يحدثه الوضع في الجزائر من ارتجاجات نفسية عميقة تقلب أوضاع الرأي في فرنسا قلبا متعاقبا. والواقع أن هذه الارتجاجات السيكولوجية لها ما يبرر وجودها من الأسباب والعوامل، فقد أخذت أخطر النذر والاحتمالات الرهيبة تلوح في أفق الجو السياسي الفرنسي، الأمر الذي قد يقضي ــ في المحط الأخير ــ إلى انقلاب الوضع بالبلاد وانتصاب نظام تحكمي صرف يأتي على التقاليد الدستورية والنيابية ويعفي على المؤسسات الجمهورية القائمة وليس هناك من سبيل للاعتقاد بأن هذه الاحتمالات قد يجوز أن تكون مجردة عن الإمكان والواقعية، فقد اتخذت طريقها بالفعل لإلى البروز بشكل سافر وواضح، وقد تعددت صوره وتنوعت، إلى القدر الذي باتت فيه تؤرق جفون الغيارى على مستقبل النظام الديمقراطي بفرنسا.
وقد عكست هذه المخاوف التي تستبد بالكثيرين صحيفة " طيموانياج طريتيان" حيث أشارت في بعض طباعتها الأخيرة إلى " أنه ليس هناك ما يمنع من الاعتقاد بأن امتداد الحرب في الجزائر قد لا يفضي إلا إلى انزلاق البلاد نحو محاذير نظام يسوده الاستبداد وتتحكم فيه الرجعي. . " كما تحدثت عنها " لا فرانس كانوليك" حينما أكدت أخيرا " أنه منذ ثالث عشر مايو 1958 والفرنسيون يعيشون في جو من التحكمية المطلقة، فالمؤسسات الجمهورية لم تعد لها فعاليتها السابقة، بل أننا ــ تؤكد الصحيفة ــ لم نعد نعرف كيف سيتم سير الجهاز الذي يضمن الاتصال الضروري بين الحاكمين والمحكومين. . . "
ولم يفت الصحافة الدولية أن تلاحظ نفس هذه الظواهر الفرنسية القائمة، فقد أشارت الجريدة الألمانية المستقلة " دي ولت" إلى أن فرنسا " كانت تتوفر على حظ كبير حينما أنقذها الجنرال دوكول من هاوية الانحلال والتدهور، ولكنه على الرغم من ذلك فإن المشكلة الجزائرية لا تزال بكل تعقداتها تجثم على الجمهورية الخامسة كما كان الشأن بالنسبة للجمهورية الرابعة، وطالما استمرت هذه الحرب القاسية فإنها ستبقى تهديدا مباشرا لنظام الجنرال دوكول. . "