تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

دعوة الحق، س. 2، ع 9 / يونيو1959 .................... ص 44

الجزائر الجزائر الجزائر: القضية الجزائرية في شهر

المهدي البرجالي

الوضع السياسي:

ما حقيقة الاتجاه الذي يتبناه الرأي العام الفرنسي حيال قضية الجزائر؟

سؤال قد يبدو الجواب عنه بسيطا بعض البساطة، ولكنه في الواقع ليس بذلك إلى حد بعيد فقد برهنت الوقائع التي تتالت في مدى فترة ما بعد الحرب على أن ما يمكن أن ندعوه بالرأس العام الفرنسي، لم يتخذ بعد طريقه لكي يصبح عنصرا أساسيا في الحياة السياسية الفرنسية وطاقة موجهة لها، وأمثلة الهند الصيني (46/ 54/) والمغرب (53/ 55/) هي من بين البينات على ذلك.

على أنه كان من المفروض أن تغدو الجزائر ـــ على الأقل ـــ وهي في عنفوان فورتها التوجيهية التي تعوز الرأي العام الفرنسي، وذلك اعتبار ما للقصية الجزائرية من ارتباط متين بالمشكلة التوسعية الفرنسية العامة، وانعكاس قوي على كثير من جوانب الحياة السياسية في داخل فرنسا وخارجها. ولكن الواقع كان صورة معاكسة لذلك في كثير من الأحيان، فقد أمكن لنا ـــ في غضون هذه السنوات الخمس التي عاشتها الثورة الجزائرية ـــ إن نلاحظ مدى السلبية الرخيصة التي غدت تميز مواقف الجماهير الفرنسية حيال مأساة الجزائر، في الوقت الذي توجد فيه هذه المأساة أساسا لمركب المعضلات التي تكتنف فرنسا.

ولم بكن لهذه الظاهرة أن تمر دون أن يستثمرها الغلاة وأنصار السيطرة، لصالح الرجعية السياسية التي يدينون بها، ولهذا ما فتئ هؤلاء الغلاة ـــ منذ نشوب الثورة الجزائرية ـــ يغتنمون كل سانحة لامتلاك زمام الرأي العام في فرنسا وضمان استمرار هيمنتهم على توجيه هذا الرأي.

ولم يتورعوا في سبيل ذلك عن إقحام الشعارات العنصرية وحتى الدينية في الميدان، حتى يكون لهم من ذلك منفذ إلى استثارة النعرات التهوسية على أوسع نطاق ممكن.

ومن شأن ذلك ــ كما تحدده الطبيعة العقلية التوسعية ــ أن يساعد على تزييف صورة الثورة الوطنية الجزائرية في فرنسا والخارج، ويسهم في إبرازها ضمن إطار من التعصبية المطلقة غير الهادفة.

والواقع أن مثل هذه الأساليب لم يكن لها أن تستنفذ أغراضها إلى أبعد الحدود، ولكنها ــ مع ذلك ــ كانت من بين العوامل التي نشأت عنها هذه الحالة من التأثر والانقياد، مما ينعم به الغلاة على حساب الوعي الشعبي الفرنسي.

وقد يسر لهم ذاك سبيل الإيغال في تحقيق هذه المظاهر من الاحتكار في القيادة والتوجيه، فكان من ذلك نجاحهم في تدبير انقلاب 13 مايو والإطاحة بالجمهورية الرابعة الموءودة.

وقد شاهدت الأشهر التي تلت ذلك مظاهر أساسية من هذا التجاوب الحاصل بين الجماهير والغلاة، وذلك إلى الحد الذي غدا فيه هؤلاء وهم يكادون يسيطرون على مجموع الحكومة والبرلمان وغيرهما.

ولكن الأسابيع الأخيرة ما لبثت ــ بعد كل هذا ــ أن بدأت تسجل آيات انتكاث في حبل هذا " التفاهم" الغريب. وقد كان لهذه الظاهرة انعكاسات عميقة في

مجلة دعوة الحق · الصفحة ١٤١٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ١٤١٩