وإنما تقوم بزيارة أهلها الميسورين حتى إذا ما عادت أرته ما جلبته من زيارتها من فساتين أو مجوهرات ثم انحنت عليه تقبل عينيه وجبينه في مرح وحدب.
وطفق أحمد عبد العزيز يبطئ في خطوه وكأنما استلذ الذكرى وقد عاودته فأخذ يحاور نفسه: لله ما كان أروعها! ما الزواج إلا لعبة رهان نخسره فيحطم كياننا أو نربحه فنعيش في نعيم مقيم، وقد عشت في هذا النعيم مع زوجتي المرحومة، كنت سعيدا بحبها وكانت سعيدة بحبي إياها فعاشت حرة وفية. . . واعتراه الشعور بالندم من جديد ـــ إذا هو تزوج لكن ما لبثت فكرة جديدة أن برقت في ذهنه أحس معها بارتياح كبير فمضى يقنع نفسه بها: لأذهب إلى الطبيب فمن أدراني أن هذا الجسم المتعب الذي أناخت عليه أحزان ست سنوات مازال سليما؟ إنني لا أستطيع حتى الجزم بأن الدم الذي يسري فيه لم يتحول بعد لونه القاني إلى زرقة أو سواد؟ لا محالة إذن أن الطبيب سيقرر عدم صلاحيتي للزواج فأفوز برضاء نفسي الدائبة لإسعاد ثمرة حبي لزوجتي الغالية وأريح أمينة الأرملة الطيبة التي ارتأى أصدقائي مواساة لي أن أتزوج بها.
وخب السير في الطريق الطويل الذي بدا الضباب ينحسر عنه رويدا رويدا حتى بلغ واجهة العيادة فدلف بسرعة وحمد الله أن دوره بعد واحد فقط فرواد العيادة لم يوافوها بعد، وأتى دوره فدخل وهز يد الطبيب ثم أفهمه أنه يريد فحصا عاما لجسمه ليتأكد من سلامته بغية الزواج، فتهللت أسارير الطبيب وقال: مبروك. . مبروك. وبعد الفحص شد على يده ثانية وهو يردد: مبروك. . مبروك. وأحس أحمد بشعور متناقض مبهم إذ هو حقا يريد لجسمه أن يكون صحيحا معافى، فالعقل السليم في الجسم السليم، لكن الطبيب ما برح أن قال مبتسما:
- أظن أنك لا تهتم يا سيدي بالأطفال ما دمت تحب من ستتزوج؟
فرد أحمد متسائلا:
- لست أفهم ما تعنيه يا سيدي
فاستطرد الطبيب مجيبا:
- أن الكشف عنك أثبت أن المرض الذي كان بك منذ صباك قد زال نهائيا إلا أنه أبقاك عاقرا. وأني أستبعد أن يكون لك أطفال!
ولم يسمع أحمد كلام الطبيب فقد اندفع كمن مس ومضى يعدو في الطريق المشمس مضطرب الخاطر وكأن الضباب ما فتيء يلفه.