تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

دعوة الحق، س. 2، ع 9 / يونيو1959 .................... ص 40

اصطدام الحياة بنفسها

بقلم محمد الصباغ

أما خطر ببالكم في يوم من الأيام الصديقة إليكم أن تفكروا فيما أنتم فيه؟

ألا تحسون بالضجر، والملل، والسآمة كلما أنعمتم النظر في أنفسكم، وحواسكم، وأعضائكم، وفيما تقوم به من أعمال، وحركات، وإشارات، وإيماءات، تعيدها وتكررها؟

ألا تشعرون بالوحشة والشوق كلما فكر كل واحد منكم بأنه هو هو، هو في الصباح وفي المساء، هو في الليل وفي الفجر، هو نفسه في هذا اليوم وفي الغد، هو ذاته في هذا الشهر، وفي هذه السنة، وفي السنوات التي تليها. يلتقي بذاته حينما يلقي بنفسه على السرير فيصطدم بها في أحلامه، فتتهشم غفوته، وتدمي نشوته ويعثر بها في طريقه. . . وفي طريق خياله الذي يسلك به إلى العوالم المبثوثة في طيات الغيب السحيق، فيهوي كبرياء إحساسه شظايا نبضات ونجوم.

لقد خطر هذا في بالي صباح اليوم، عندما استيقظت من نومي فوجدتني مهشما، مكسرا، محطما، لا أقوى على النهوض على أثر اصطدامي بذاتي في غابات، وجبال، وسهول، وسماوات، وربوات أحلام ليلتي الماضية. ألقيت نظرتي على يميني فانتصب لي بأصابعه الخمسة الدائمة وهي مخضلة بالرماد. . . وحسبت أيام الأسبوع فوجدتها سبعة، وبصوت مرتفع كنت أكررها هكذا:

أحد، اثنين، ثلاثاء، أربعاء، خميس، جمعة، سبت. . .

وكان حسابي دائما وأبدا يبتدئ بيوم أحد، وينتهي بيوم سبت. وإن كنت في ريب مما أقول، فأرجوكم أن تحسبوا معي فصول السنة بصوت جهير مرة ومرات هكذا:

ربيع، صيف، خريف، شتاء. . .

ألا تحسون من تكراركم لأسماء فصول السنة باصطدام الحياة بذاتها، وباصطدام كل ما فيها وما عليها بنفسها؟

فالشمس تصطدم بذاتها كلما أتمت دورة من دوراتها، وكذلك الشأن في القمر وفي الأرض والأفلاك الأخرى. وما هذا الغليان والفوران، وما هذه الثورات التي نشاهدها في الطبيعةـ من بحار تزمجر، وعواصف تعوي وتعصف، وبراكين تثور وتندلع، وبروق ورعود تصفر وتلعلع، وأراض ترتفع وأخرى تنخفض ـــ سوى اصطدام الحياة بذاتها في المدى الخفي عنا، وعن أبصارنا الكليلة.

وهذا الربيع، وهو أحب الفصول إلي وإليكم، نراه يتم رحلته السنوية، فيسرع ليلحق ذاته التي نفرت منه زهاء تسعة أشهر، وما يكاد يلحقها حتى يصطدم بها، فيسقط على الأرض أشلاء بوح، وفوح، وزهر، ونغم، وإذا بهذه الأشلاء تلتئم، وتندمل، وتجمع قوتها ومناعتها، حتى إذا ما بلغت أشدها راحت تفتش عن ذاتها فتصطدم بها، فتجري أودية في الروابي، وخضرة في ذوائب العشب والدوالي، وزقزقة في حناجر الأعشاش والسواقي، وعبيرا في جيد الأصائل، وخصر الأسحار.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ١٤١٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ١٤١٥