تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

هي الحياة تبحث عن ذاتها في كل مظهر من مظاهرها، وحلقة من حلقاتها الخفية عنا وغير الخفية، حتى ما إذا عثرت على ذاتها تكسرت عليها، فتمتلئ الأرحام بالأجنحة، والأخصاص بالزغاليل، والأغصان والأكمام بالثمار والأريج، والبخار بالحيتان وفواكه الماء وعبير الأمواج. وتنفلق من كل قطرة ماء قطرة أخرى أو قطرات، وتفور من كل ذرة أخرى أو ذرات، ويجنح من كل حمامة سرب حمام أو أسراب، وتنقسم كل حطبة عن حطبات تكتسي بها ألف غابة وغابة.

أولا تنظرون إلى هذا الكون وقد اتخذ بكل ما فيه وما عليه أشكالا مستديرة يدور فيها وعليها دورات لا نهاية لها ولا قرار. وما نراه بأعيننا المجردة في بعض الأحيان من أشكال مسطحة، أو مثلثة، أو مربعة، أو ما إلى ذلك من الأشكال اللامستديرة فما هو إلا من خداع العين فحسب.

هذا الشعاع الذي ينطلق من الشمس فيكسو الأرض، نراه ملاءة شقراء تترجرج فوق الجبال، والبحار، والخلجان، وتتمايل وتهتز بين أغصان الأشجار والأزهار وذؤبات النسيم، نراه على هذه الأشكال التي يتقمصها فيتخذ من كل شكل شكلا له، ومن كل جسم جسما له، فهو على سلسلة الجبال تضاريس من نور، وفوق البحار مويجات ذهبية، وهو في الندى حبات قمح رشت من سنابل الصبح. نرى الشعاع يكسو الأرض على هذه الأشكال التي يصعب حصرها، وفي الحقيقة ما هو إلا دوائر عديدة تركب على ذاتها فتجري وتدور بسرعة تتجاوز حدود الظن، والحدس، والاحتمال لتلحق ذاتها في أمها الشمس وتتكسر عليها.

فما أنت وأنا، وهذا، وذاك، وتلك الجماعة، وهذه الشجرة، وذلك القصر، وما يحويه من حجر. وما في هذه الحجر من أثاث وملابس، وثياب سوى دوائر تدور على نفسها وعلى محيطها دورات سريعة.

أن وأنت دائرتان تدوران في محيط الزمان والمكان الذين يدوران بدورهما معنا دون أن تشعر بهما وفي كل دورة من دوراتنا نصطدم بذواتنا فنودع دنيا قديمة، ونستقبل أخرى جديدة.

وكما أن كل موجة من أمواج البحر تدفع أختها وتجد نفسها فيها كذلك هي حياتنا بأطوارها، وأدوارها، وحلقاتها المتسلسلة في بحر الحياة.

أما وقد وصلنا إلى هذه النتيجة فلا يتملكني الاستغراب عندما أمعن النظر في حواسي وأعضائي وفيما تقوم به من أعمال وحركات أحسبها هي هي.

إذ لا غرابة في أن احسب أصابع يدي فاحسب معها جميع أيدي الناس الذين ولدوا وماتوا، والذين سيولدون ويموتون، كما لا غرابة في أن أرى ذاتي فأراها تشتمل على ذات العالم وما يحويه من بشر، وحيوان، وجماد، ونبات، ومما نراه منه، وما لا نراه، وما نلمسه، وما لا نلمسه.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ١٤١٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ١٤١٦