تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

المغرب القريب والبعيد معا، ذلك هو عامل الخيانة والغدر!!

وهل تستطيع قوة مهما بلغت أن تعيث فسادا في أمة، وأن تنهكها وتحطمها وتقضي عليها وتشل قدرتها على الصمود والمقاومة كما تفعل الخيانة وكما يفعل الغدر!!

لقد تسلل من صفوف (زيري) نفسها (غلام أسود اسمه سلام) ــ فيما يبدو تروي كتب التاريخ ــ يقال أن زيري كان قد قتل أخاه، تسلل من الصفوف واغتنم غفلة من (زيري) فطعنه في نحره عدة طعنات ظن أنه بها قد قتله.

هكذا تروي كتب التاريخ في بساطة متناهية وفي غير مناقشة، ونحن لا نستبعد أن تكون محاولة قتل (زيري) قد وقعت على هذا النحو، ولكنا لا نستبعد أيضا أن يكون لدهاء المنصور ومكره، أو لدهاء بعض قادته العسكريين الذين يعملون بأوامره يد خفي في هذه المحاولة. وقد يؤكد هذا الافتراض ويدعمه، إن كتب التاريخ تروي فيما تروي، أن (سلاما) هذا الذي حاول قتل (زيري)، وظن أنه بالفعل قد قتله، طار في خفة البرق إلى القائد الأعلى لجيش (المنصور) ليبلغه أنه قتل (زيري).

أي ليبلغه ــ فيما نفترض ــ أنه قد نجح في المهمة الدنيئة التي أسندت إليه.

لم يمت (زيري)، ولكن الشائعات تنو قلت في جيشه، يقول بعضها أنه قد قتل، ويقول بعضها الآخر أنه قد جرح فعلا، ولكن ذلك لم يمنعه من الإشراف على المعركة.

ومن السهل أن نتصور الشائعات تنتقل في جيش ــ غير نظامي على الخصوص ــ ليضيف إليها كل واحد من عنده ما تجود به مخيلته من التهويل والمبالغات، كما أنه ليس من الصعب على من يقرأ التاريخ أن يعرف الدور الخطير الذي كان يلعبه شخص قائد المعركة، وأن مجرد إشاعة موته أو جرحه كافية لأن تخلق البلبلة في جيشه، وتشيع الفوضى في صفوفه، وتكون مدعاة للهزيمة والنكوص عل الأعقاب.

وهكذا تم النصر في هذه الحملة لجيش (المنصور) وطير الخبر إليه في مركز القيادة.

ونستطيع أن نتصور مقدار ابتهال (المنصور) بهذا النصر وإحساسه بقيمته، إذا علمنا أنه أمر بقراءة كتاب إعلان النصر الوارد عليه من المغرب على منابر مساجد قرطبة وغيرها من جميع بلاد الأندلس، وأنه فيما تروي كتب التاريخ ــ اعترافا منه بفضل الله عليه في ذلك ــ وزع أمولا كثيرة على الفقراء وذوي الحاجات، وأعتق ألف وخمسمائة مملوك وثلاثمائة مملوكة، الأمر الذي لم يفعل (المنصور) شيئا منه في الاحتفال بانتصاراته في معاركه الكثيرة الأخرى، وهو ما يدل دلالة واضحة على عنف المعركة التي خاضها (المنصور) مع (زيري بن عطية)، وأن احتمال الهزيمة عنده في حملته الثانية هذه لم يكن أقوى من احتمال النصر فيها.

وقد كان الواقع كذلك، لولا عامل الخيانة والغدر الذي لم يؤد بحياة (زيري) في حينه، ولكنه حقق نصرا كاملا لعدوه (المنصور الحاجب محمد بن أبي عامر).

لم يمت (زيري) حالا، ولم تفت الهزيمة في عضده، بل لم يحمله على اليأس أن سكان مدينة فاس أغلقوا أبواب المدينة في وجهه عندما لجأ إليها جريحا منهزما، فحمل نفسه، ولجأ إلى الجزائر يضمد جراحه ويستعد في نفس الوقت لمعركة أخرى مع (المنصور) قد تكون أعنف من سابقاتها، ولكن الجراح التي كان يحملها (زيري) معه أينما ذهب، لم تمهله طويلا، ولم تلبث أن أودت بحياته.

وهكذا لم يستطع (المنصور بن أبي عامر) الذي غزا اثنتين وخمسين غزوة لم ينهزم في واحدة منها؛ لم يستطيع أن يقهر الأمير المغربي (زيري بن عطية)، واستطاعت أن تفعل به ذلك ضربة من يد الخيانة، انبعثت من صفوفه هو نفسه، ففرقت جيشه، وظلت تعذبه إلى أن أسلمته إلى التراب، وباعت استقلال المغرب ــ مرة أخرى ــ بثمن بخس إلى الداهية المستبد بعرش الخلافة الأموية في الأندلس والذي يحكمها بالمعرفة والمكر والحديد والنار، المنصور بن أبي عامر.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ١٤١٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ١٤١٤