تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

المدينة المغربية الجميلة التي تقع على بعد يسير جدا من حدود الجزائر، بحيث يتمكن (زيري) بها من تسيير أمور دولته التي كانت تمتد في المغرب والجزائر معا، كما يتمكن بها أيضا إذا ما كانت حرب مع المنصور، أن يحمي ظهره ويضمن سلامته ويؤمن خط رجعته.

*

وتصل هذه الأنباء كلها إلى (صبح) أم الخليفة المحجوز في القصر، والمرأة البئيسة التي كانت تربطها من قبل (بالمنصور بن أبي عامر) علائق متعددة، والتي توت اليوم كمدا وخوفا على مستقبلها ومستقبل ابنها المحجوز في قصره (هشام المؤيد).

وترى (صبح) أنها فرصتها النادرة التي ظلت تبحث عنها للانتقام من صاحبها وصنيعتها القديم، والمستبد اليوم بها وبابنها وبعرش الخلافة (المنصور بن أبي عامر)، وتشرع (صبح) في البحث عن وسيلة للاتصال (بزيري بن عطية) تشجعه، وتعده وتمنيه الأماني؛ وربما استطاعت أن تغريه بالمال أو بأشياء أخرى، إنقاذا لنفسها ولولدها.

ويعلم (المنصور) ــ طبعا ــ بكل ذلك، فتثور ثائرته، وتتخلى عنه حكمته وسياسته ولبقاته، ويرسل لسانه بالتهديد والوعيد، ثم لا تلبث الأمور أن تتأزم أكثر من ذلك، لينقطع ما كان بين الرجلين: (المنصور بن أبي عامر) و (زيري بن عطية) من صلة وود وثقة متبادلة، فيسحب (المنصور) رسميا لقب (الوزارة) الذي تفضل يوما فأضفاه على (زيري)، ويجيب (زيري) على ذلك بأن يصدر أمره إلى الخطباء بالمغرب، أن يقلعوا عن الدعاء في خطبهم (للمنصور بن أبي عامر)، وان يقتصروا فيها على الدعاء للخليفة (هشام المؤيد).

ومعنى ذلك أن (زيري) يسحب الاعتراف الشرعي أو الرسمي (المنصور) بالمركز الذي خلقه لنفسه، وحمل الناس على الاعتراف له به بكل أنواع الاعتراف وأشكاله وألوانه، ومن ضمنها ــ أو على رأسها ــ الدعاء له من أعلى المنابر كما يدعى للخليفة الشرعي.

وتترتب عن كل ذلك نتيجته المتوقعة المحتملة، ويلجأ الطرفان معا إلى ذلك الحل البغيض الذي ألفت الإنسانية المنكودة منذ كانت على وجه الأرض، أن تلجأ كلما استعصى عليها الحل، أو أفلتت منها أعصابها.

إنها الحرب لا محالة! يراها (زيري) طبيعية وضرورية للدفاع عن استقلال بلاده، ويراها (المنصور) أيضا طبيعية وضرورية لحماية نفوذه، ولتأمين سلامة خط دفاعه الأول ضد تسرب المذهب الشيعي إلى الأندلس، على حراب القادة العسكريين للدولة الفاطمية.

وكانت ــ في الواقع ــ حربا عنيفة قاسية بالنسبة للطرفين معا (بعد العهد بمثلها) على حد تعبير بعض المؤرخين القدماء. واهتم لها (المنصور) اهتماما زائدا فجهز لها جيشا عظيما أمده ــ بإسراف ــ بكل ما يحتاج إليه من الرجال والأسلحة والأموال، وضمد فيها (زيري) ومن معه من المغاربة صمود الأبطال المستميتين، وكانت نتيجة الحملة الأولى التي استغرقت ثلاثة أشهر، أن انهزم جيش (المنصور)، وقتل كثير من رجاله، واضطر قائده إلى الانسحاب يطلب الإمدادات العسكرية من (المنصور بن أبي عامر).

وفتح (المنصور) عينيه مرة أخرى ليرى أن الأمر جد أكثر مما كان يتصوره. ولم يكن (المنصور) بالرجل الذي يخضع للأمر الواقع أو يغضي على الهزيمة وهو الذي لم يألف في حياته إلا الانتصارات المتوالية. لذلك قرر (المنصور) لكي يستعيد اعتباره ومركزه وهيبته أن يشرف على المعركة التالية بنفسه، وهكذا غادر قرطبة إلى الجزيرة الخضراء عند الشاطئ الشمالي للمضيق، واتخذ منها مركزا للقيادة يديره ويشرف عليه بنفسه، وبعث إلى المغرب حملة عسكرية أخرى أكبر وأقوى من سابقتها، حشد لها كل جيشه وضباطه وقادته العسكريين. ويذكر المؤرخون من قدامى ومحدثين أنه جعل على رأس هذه الحملة ولده (المظفر)، وإن كان مؤرخ مستشرق ينفي ذلك، استنادا إلى أن سن (المظفر) في تاريخ هذه الحملة كانت أصغر من أن تسمح له بقيادة حملة عسكرية كهذه، تضم كل جيش الأندلس أو معظمه، وتضم كثيرا من كبار القادة والضباط.

مهما يكن فقد استؤنفت الحرب مرة أخرى، وصمد فيها المغاربة هذه المرة أيضا كما صمدوا في سابقتها، وكان من الممكن أن يستمروا في الصمود والمقاومة حتى يحققوا لأنفسهم انتصارا آخر، يطردون به العدو المغير، أو يحدون على الأقل من أطماعه وغلوانه، لولا أن دخل في المعركة عامل جديد ربما لم يكن متوقعا، عامل عانى منه كثيرا تاريخ

مجلة دعوة الحق · الصفحة ١٤١٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ١٤١٣