وكارها ــ، وقدم بين يديه مرة أخرى شيئا كثيرا من غرائب الهدايا والتحف، ثم وفد على (المنصور) في حاشية جرارة ومظهر ملوكي عظيم، وأحسن (المنصور) من طرفه استقباله وضيافته والتودد إليه، وأراد أن يزيد في إكرامه فلقبه رسميا (بالوزير)، وهو لقب لم يكن (المنصور) نفسه يحظى بأرفع منه، وإن كنا لا ندري حتى الآن أكان (المنصور) يقصد بهذا (التكريم) تنصيب زيري بن عطية (وزيرا) للخليفة المحجوب في قصره، أم (وزيرا) له هو نفسه.
مهما يكن، فإن كل مظاهر التكريم هذه لم تؤثر في (زيري بن عطية)، ولم تغير من شعوره الجديد بالرغبة في استقلاله واستقلال بلاده، والتخلص من الحماية المفروضة عليهما، بل يبدو أن (زيري) وقد حنكته الأحداث والتجارب، وشدت من ساعده انتصاراته المتوالية، وتفتحت عيناه عن أشياء كثيرة لم يكن يعرفها من قبل، لم يعد (المنصور) يبدو في مثل العظمة التي كان يراه فيها أو يتخيله، يبدو أنه وقد أصبح في دخيلة نفسه ينظر إلى (المنصور) نظرة الند للند، قد تغير رأيه فيه، وقد تكشفت له عيوبه التي كانت تحجبها عن عينيه من قبل، نظرة التقدير والإكبار التي كان ينظرها إليه.
ومع ذلك فيبدو أن (زيري) قد حاول جاهدا أن يخفي ما في نفسه، وأن يتقبل بالشكر كل مظاهر التكريم الذي أضفى عليه، بما في ذلك لقب (الوزير).
وهكذا جدد (المنصور) (لزيري بن عطية) عهد الولاية على المغرب، وودعه ليعود إلى مملكته أو (وزارته).
وركب (زيري) ليعبر المضيق من الأندلس إلى المغرب وقد بيت في نفسه أمرا، لقد ثار على (الحماية) و (الوزارة) معا، وثار على (المنصور الحاجب محمد بن أبي عامر) ورفض سلطانه، ولن يكون بعد اليوم في بلاده إلا أميرا مستقلا لا نفوذ عليه لأي كان.
وبينما (زيري) يناجي نفسه، أو يصرخ في وجهها بكل ذلك، والسفن تقترب من الشاطئ الجنوبي للمضيق، إذ أخذت تبدو لعينيه معالم (طنجة) العروس الضاحكة. تشرح النفس، وتجلو الفم، وتبدد الظنون والأوهام.
وملأ (زيري) رئتيه من هواء المغرب، بلاده التي يريده المنصور على أن يظل مجرد عميل له عليها، مجرد (وزير) صغير يحكم باسم (الوزير) الكبير المستبد بعرش الخلافة الأموية في قرطبة!!
وأحسن (زيري) وقد احتوته بلاده بالعزة والمنعة والكبرياء، ونظرا إلى (طنجة) فضحك لها بدوره وتحسس رأسه في ارتياح، والتفت حواليه ينظر إلى كل هذا الملك العريض، ثم نظر إلى (طنجة) مرة أخرى نظرة العاشق المدنف، وقال لها في محبة ممزوجة بالاعتزاز والأنفة:
الآن علمت أنك لي!!
ثار (زيري) نهائيا على (المنصور) وعلى لقب (الوزير) الذي تفضل به عليه، ورفض أن يدعى به ولو على وجه التكريم والإجلال، ويروي التاريخ أنه أجاب في غضب رجاله عندما دعاه بالوزير، قائلا له في حدة بالغة:
ــــ (وزير من ياتكع! لا والله 'لا أمير ابن أمير. وأعجبا لابن أبي عامر ومخرقته! لأن تسمع بالمعيدي خير من أن تراه! والله لو كان بالأندلس رجل ما تركه على حاله، وأن له منا ليوما).
إذن!! فهي بداية حرب باردة، لا تلبث إلا قليلا ثم تنقلب إلى حرب ساخنة إذا صح هذا التعبير.
*
وكان (زيري) يعيد النظر، يعلم أن خططه الحربية مهما بلغ اتقانا تحتمل النجاح والإخفاق معا، وأن إمكانية الهزيمة لا تقل عن إمكانية النصر، وكانت الأمور بفاس العاصمة غير مستقرة إلى الحد الذي يبعث على الاطمئنان، كما أنها كانت في هذه الفترة التاريخية مطمع كل ثائر أو غاز أو متمرد، يضاف إلى ذلك أن موقعها يجعلها غير بعيدة بالقدر الكافي عن متناول (المنصور) إذا ما تم له النصر عليه. فلينقل العاصمة منها ــ بناء على ذلك ــ إلى غيرها، أو ليشيد لنفسه عاصمة جديدة تكون الأمور فيها أكثر مناعة وبعدا عن متناول المنصور وغيره.
وقد ابتنى (زيري) عاصمته فعلا وحصنها وأحكم أسوارها، ونقل إليها خاصته وحرسه ورجال جولته وأمواله، فكانت هذه العاصمة هي (وجدة)