لذلك كان من الطبيعي جدا أن تهتم الدولة في الأندلس كثيرا بأمر المغرب، وأن تعمل ــ أكثر مما ذي قبل ــ على بسط نفوذها المادي والمعنوي عليه.
وهكذا كان المغرب في هذه الفترة من التاريخ منطقة تنازع نفوذ، بين الخلافة الأموية في قرطبة بالأندلس، وبين الخلافة الفاطمية بتونس ثم بمصر.
وقد كابدت دولة الأدارسة المرائر قبل انقراضها من هذا التنازع، وذهب كثير من أمراءها ضحيته، وكان آخرهم (الحسن بن كنون) الذي كان دائم التنقل بولائه بين الأمويين والفاطميين، إلى أن قتله (المنصور الحاجب محمد بن أبي عامر) الحاكم باسم الخلافة الأموية في الأندلس، في قصة طويلة شيقة مليئة بالفواجع والمفاجآت.
*
وبع انقراض دولة الأدارسة قامت بالمغرب دولة مغراوة وبني يفرن، وكان على رأس القبيلتين العتيدين (يدو بن يعلي) اليفرني، الذي كان يعتبر عميلا كبيرا للخلافة الفاطمية، و (زيري بن عطية المغراوي) الذي كان خالص الولاء للخلافة الأموية بالأندلس، والذي توصل بعد حروب كثيرة إلى القضاء نهائيا على ابن عمه (يدو بن يعلي) وإرسال رأسه إلى (المنصور الحاجب محمد بن أبي عامر).
على أن (المنصور الحاجب) كان قد حاول من قبل أن يستميل إليه زعيم اليفرنيين (يدو بن يعلي) وأن يكسب ولاءه ويصطنعه كما فعل مع (زيري بن عطية) وبعث إليه بالفعل يستقدمه إلى الأندلس، فكان جواب (يدو بن يعلي) أن قال كلمته التاريخية الحاسمة:
متى عهد المنصور حمر الوحش تنقاد للبياطرة.
*
كان (زيري عطية) زعيما في قومه، دائم الولاء للخلافة الأموية بالأندلس. وقد قام بدور فعال في الحملة العسكرية الأخيرة التي جهزها (الحاجب المنصور محمد بن أبي عامر) ضد (الحسن بن كنون) آخر الأمراء الأدارسة بالمغرب، تلك الحملة التي أدت إلى مقتل هذا الأمير، وإلى القضاء نهائيا على الدولة الإدريسية، وإلى إخضاع المغرب للخلافة الأموية بالأندلس.
وظل (زيري) بعد ذلك بمثابة الساعد الأيمن للولاة الذين كبعثهم من الأندلس إلى المغرب (المنصور الحاجب محمد بن أبي عامر). وقد كانت للمنصور ــ فيما يبدوـ سياسة خاصة فيما يتعلق بالمغرب وسكانه؛ كان يريد من المغرب ــ فقط ــ أن يظل في مناعة من نفوذ الدولة الفاطمية ومذهبها الشيعي، وأن يكون معتنقا للولاء لدولة الخلافة الأموية بالأندلس، أما ما عدا ذلك، فيبدو أنه لم يكن يرغب في الإساءة إلى أهله، بأن يفرض عليهم حكما مباشرا تأباه طبيعتهم وما جبلوا عليه من الشدة والإباء، خصوصا وأن المنصور كان يعتمد في الأندلس على العنصر البربري المغربي في جيشه وحرسه، وفي كثير من المسؤوليات والمهام الكبيرة في الدولة.
وهكذا لم يلبث (المنصور) أن أعاد للمغرب استقلاله الذاتي، واكتفى منه بأن يعترف له بنوع من (الحماية)، وقد تم كل ذلك عندما عقد (المنصور) (لزيري بن عطية) على المغرب، بعد أن سحب آخر عماله عليه: (الوزير حسن بن أحمد بن عبد الودود السلمي).
أصبح (زيري بن عطية) أميرا على المغرب، ولم يلبث أن امتد سلطانه إلى الجزائر التي كان أمراؤها يتأرجحون ببين الولاء للفاطميين والأمويين، فقضى عليهم، وبعث إلى (المنصور) يخبره بذلك، وبعث إليه مع الخبر كثيرا حدا من الهدايا النفيسة الغالية، التي أن دلت من جهة على مقدار ما يكنه من الولاء والاحترام لشخص (المنصور)، فإنها تدل من جهة أخرى على مدى قوة (زيري) وغناه، وسعة ذات يده، وامتداد سلطانه.
وقد استدعى (المنصور) (زيري بن عطية) مرتين للوفادة عليه إلى الأندلس، كانت الأولى قبل أن يوليه أمر المغرب، وقد مرت بسلام، وظلت العلاقة بين الرجلين بعدها ــ في الظاهر على الأقل ــ على خبر ما يرجو كل واحد منهما؛ وكانت الثانية بعد أن ولى (زيري) أمر المغرب، وبعد أن امتد نفوذه إلى الجزائر، وبعد أن أصبح يحس إحساسا أليما بنير هذه (الحماية) المفروضة عليه وعلى بلاده، ويرغب رغبة صادقة في التخلص منها بأية وسيلة ممكنة.
استدعى (المنصور) (زيري بن عطية) للوفادة عليه إلى الأندلس للمرة الثانية، فلبى الدعوة، ــ راضيا