تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

شاغل عن الخلافة ومتاعبها بألعابه وتفاهاته مع الجواري والخصيان في حدائق القصر بقرطبة.

وقد أتيحت الفرصة كاملة (للمنصور الحاجب محمد بن أبي عامر) ليبرهن على أنه رجل الساعة، فقد كان رجل حرب كما كان رجل سياسة وحكم، وقد بلغت حروبه مع النصارى في شمال الأندلس ما يزيد عن الخمسين معركة ــ كما تروي جميع كتب التاريخ المغربية والأندلسية التي تحدثت عنه ــ لم ينهزم في واحدة منها. ويروي التاريخ أنه كان عند رجوعه من كل معركة يجمع الغبار الذي يعلق منها بثيابه، وأنه قد اجتمع له من ذلك إناء ممتلئ غبارا، أمر أن يدفن معه في قبره.

و يكفي لكي تكون فكرة مجملة عن قوة (المنصور) وحروبه وانتصاراته، أن ننقل هنا الفقرة الطريفة عن صاحب (المعجب) إذ يقول عن المنصور: (. . وملأ الأندلس غنائم وسبيا من بنات الروم وأولادهم ونسائهم وفي أيامه تعالى الناس بالأندلس فيما يجهزون به بناتهم من الثياب والحلي والدور، وذلك لرخص أثمان بنات الروم، فكان الناس يرغبون في بناتهم بما يجهزونهن به مما ذكر، ولولا ذلك لم يتزوج أحد مرة. بلغني أنه نودي على ابنة عظيم من عظماء الروم بقرطبة ــ وكانت ذات جمال رائع ــ فلم تساو أكثر من عشرين دينارا عامرية).

هذا هو (المنصور الحاجب محمد بن أبي عامر) رجل العلم والحرب والسياسة والمكر والدهاء، رجل العنف والقوة والصرامة. الرجل الذي لم يتردد مرة، في أن يقدم عنق ولده للسيف عندما كاد هذا أن يصبح خطرا على المصالح العليا للدولة.

ثم هذا هو (محمد بن أبي عامر) الذي كتب على أميرنا المغربي المغراوي (زيري بن عطية) أن يكون خصمه وطلبته، بعد أن كان حليفه والحاكم باسمه في المغرب. ولذلك قصة سنعود إلى شرحها بعد قليل، بعد أن نفرغ من تفهم الظروف السياسية والعسكرية التي صاحبت هذه القصة، وبعد أن نتعرف بقدر الإمكان على حقيقة الأوضاع في الجزائر وتونس ومصر، لما لها من علاقة وثيقة بالموضوع.

كانت الدولة الفاطمية التي أسسها (عبد الله المهدي) بتونس قد انتقلت بالفعل إلى مقرها الجديد بمصر على يد الخليفة (المعز لدين الله الفاطمي)، بعد أن مهد لهذا الانتقال القائد العسكري الكبير للدولة الفاطمية (جوهر الصقلي) الذي اختط مدينة القاهرة، وبنى بها الجامع الأزهر، ليكون مسجدا ومعهدا لدراسة الفقه الشيعي بمقر الدولة الجديدة.

وتوفي (المعز) فخلفه على كرسي الخلافة الفاطمية في مصر ولده (العزيز بالله).

والذي يعنينا هنا من ذكر الدولة الفاطمية سواء قبل انتقالها من تونس إلى مصر أو بعد انتقالها إليها وانشغالها بالحروب والمنازعات والتوطيد للمذهب الشيعي في الجناح الآخر من بلاد العروبة، أنها لم تغفل قط أمر المغرب، وأنها ظلت تعمل من أول يوم على بسط سلطانها عليه، وحكمه بطريقة مباشرة ــ إذا أمكن ذلك ــ أو بواسطة زعماء وأمراء من البربر تصطنعهم وتحميهم وتمدهم بالأموال والمساعدات وتدافع عن نفوذهم.

والواقع أن الدولة الفاطمية ظلت تحكم تونس حتى بعد انتقالها إلى مصر بواسطة عمالها من الزعماء والأمراء البربر. وإذا كان سلطانها في الجزائر لم يكن مستقرا استقرارا كاملا، فإنه كان أقل استقرار منه في المغرب، وذلك بالرغم من أن (جوهرا الصقلي) كان قد وصل مرة في حملة عسكرية قوية استغرقت ثلاثين شهرا إلى المحيط الأطلسي في الجهة الغربية من بلاد المغرب، وأنه حاول أن يؤكد امتداد نفوذ الدولة الفاطمية إلى حدود المحيط نفسه بطريقة رمزية؛ ذلك أنه اصطاد من المحيط سمكا، وبعثه في أواني مملوءة ماء إلى الخليفة (المعز لدين الله) بعاصمته المهدية بتونس، لأن ذلك كان قبل انتقاله إلى مصر.

كانت الدولة الفاطمية ــ فيما يبدو ــ ترغب في بسط سلطانها الكامل المستقر على المغرب. لكن بعده عن مركز الخلافة الفاطمية من جهة، وصعوبة أهله ومناعتهم وتشبتهم بالحرية من جهة؛ كل ذلك حال بينها وبين تنفيذ هذه الرغبة على الوجه الذي تريده؛ يضاف إلى جميع ما تقدم أن الدولة الأموية بالأندلس، والحاكم باسمها في العهد الذي نتحدث عنه (المنصور الحاجب محمد بن أبي عامر) كانت تعتبر المغرب خط دفاعها الأمامي، وكانت تعلم عن يقين أن المغرب كان دائما هو المعبر إلى الأندلس، وأن استقرار نفوذ الدولة الفاطمية الناشئة الفتية في المغرب، معناه بالحرف: أن الأندلس أصبحت على أبواب خطر أكيد.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ١٤١٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ١٤١٠