إلى الجواري والخصيان ومشاركتهم في لهوهم وعبثهم ومجونهم. تحكم الأندلس باسمه، ولا يكاد هو يعرف شيئا عما يجري فيها من الأمور العظام.
كان هذا الخليفة الشاب هو (هشام المؤيد) التي خلف أباه (الحكم المستنصر) على كرسي الخلافة الأموية بالأندلس وهو غلام يافع في الثانية عشرة من عمره، فكان ضحية صغره وتربيته الفاسدة من جهة، كما كان من جهة أخرى ــ وهذا هو المهم ــ ضحية لمؤامرة فريدة من نوعها في التاريخ، بين والدته " صبح" وبين صفيها من رجال الحاشية والبلاط (الحاجب المنصور) مؤسس الدولة العامرية التي حكمت الأندلس باسم الخلافة الأموية ودحا من الزمان.
ولن نكلف أنفسنا عناء الجري كثيرا وراء البحث عن حقيقة العلاقة التي كانت تربط بين (صبح) أم الخليفة الصبي، وبين حاجبه (محمد بن أبي عامر) ويكفي أن نعلم أنها كانت علاقة مبنية على الإعجاب المتبادل والمصلحة المشتركة، وإن كانت هناك قرائن قوية تدل على أنها مبنية على حب عنيف، ربما كان متبادلا بين الطرفين، ولكنه من كغير شك كان يعمر قلب الملكة الأم، فقد كانت في ريعان الشباب والفتوة، عندما توفي عنها زوجها (الحكم المستنصر) عن أربع وستين سنة بعد أن أنهكه المرض والعياء؛ كما كان صاحبها ل (محمد بن أبي عامر) رجلا في تمام الفتوة والنشاط، يتمتع بكثير من الخلال التي تضمن لصاحبها النجاح والإعجاب.
على أن هذه العلاقة بين (صبح) وبين (محمد بن أبي عامر) كانت قد نشأت من قبل في حياة زوجها نفسه، وكان زوجها (الحكم) ربما استشعر شيئا من ذلك، وربما انتحل بعض الأسباب للتنكيل (بمحمد بن أبي عامر)، ولكن ذلك لم يتم له على الوجه الذي كان يريد.
كان (محمد بن أبي عامر) شابا من عامة الشعب وإن كان ينتمي إلى أسرة عربية عريقة، نشأ طالبا للعلم، طموحا، مؤمنا بالمستقبل الزاهر الذي ينتظره. ولم يلبث عمله وكفاءته أن شقا له الطريق إلى وظائف الدولة، فاتصل بقصر الخلافة في قرطبة على عهد (الحكم المستنصر) نفسه، والد (هشام المؤيد)، مشرفا على الأملاك الخاصة بولي العهد، ثم لم يلبث صفاته الأخرى أن تكفلت بالباقي، فقد أعجبت به (صبح) أم ولي العهد، ومحضها هو نفسه وخدمته، وأبدى في الأعمال المختلفة التي أسندت إليه بعد ذلك، من الكفاءة وضروب النشاط، ما كان خليقا أن يزيد في نفوذه وعلو مكانته.
وتوفي الخليفة (الحكم المستنصر) مخلفا وراءه ولي عهد صبيا في الثانية عشرة من عمره، فكان على (محمد بن أبي عامر) أن يلعب دورا خطيرا جدا وحاسما في تثبيت الخلافة لولي العهد، وفي القضاء بالقتل على عمه الذي كانت بعض القيادات في الجيش ترشحه للخلافة. وكان من الطبيعي أن يرفع كل ذلك من قدر (محمد بن أبي عامر) وأن يمكن من سلطانه، كما كان من الطبيعي أيضا أن يقربه ذلك من ذي قبل، إلى قلب (صبح) زوج الخليفة الراحل، وأم الصبي (هشام المؤيد)، الخليفة الجديد.
ويدخل عامل المصلحة المشتركة في الميدان ليزيد من مثانة العلاقة بين (صبح) و (محمد بن أبي عامر)، فكل منهما طموح أشد ما يكون الطموح وأعنفه للحكم والسلطان واستعمال النفوذ، ومن مصلحة كل منهما أن (يعتقل) الخليفة الصغير في القصر، وأن يحل نهائيا بينه وبين الناس سواء كانوا من عامة الشعب أو من رجال الدولة المسؤولين.
ويكبر الخليفة شيئا فشيئا ليكبر معه جهله وعجزه وتفاهته، وليكبر في نفس الوقت نفوذ (صبح) وصاحبها (محمد بن أبي عامر).
وينجح (ابن أبي عامر) في القضاء نهائيا على كل منافسيه، ليصبح حاجب الخليفة والحاكم الفعلي للأندلس، والمدافع عن حماها. وبمرمر الأيام يبدأ الإحساس بالخطر يخالج قلب (صبح) على مركزها ومركز ولدها الخليفة (هشام المؤيد). وتتحكم الجفوة بينها وبين (محمد بن أبي عامر)، ولكن هذا يعرف بما علم عنه من قوة وصرامة كيف يوقفها عند الحد الذي لا يريد لها أن تتجاوزه، وكيف يدفع بها إلى الصفوف الخليفة، وكيف يستأثر وحده بالسلطان.
وهكذا أصبح (محمد بن أبي عامر) هو القوة الوحيدة في الأندلس يتزيى بزي الخلافة وينتحل مظاهرها كلها، وكان في إمكانه ــ لو أراد ــ أن يطيح باسم الخلافة الأموية، وأن يؤسس في الأندلس دولة أخرى جديدة. ولكن حكمته أملت عليه ألا يفعل، نظرا لظروف واعتبارات متعددة. فاكتفى بأن يكون خليفة بالفعل، وأن يتخذ لنفسه لقب (المنصور الحاجب) وأن يترك اسم الخلافة (لهشام المؤيد)، الذي كان بالرغم من تقدمه في العمر وبلوغه سن الشباب، في شغل