دعوة الحق، س. 2، ع 9 / يونيو1959 .................... ص 33
جولات قصيرة في تاريخ المغرب: الآن علمت أنك لي
بقلم: عبد القادر الصحراوي
لم يكن الذي قال هذه الكلمة شاعرا من شعراء الغزل الحالمين، ولم يكن صبا مدنفا أفقده الهوى رشده، وشغل عليه قلبه وعقله، وأطلق لسانه بالآيات المجنحة عن الليل الساجي والنجوم اللامعة والنسيم العليل والحب القاتل؛ وإنما كان الذي قالها شيئا آخر غير ذلك كله، كان أميرا مغربيا، قضى حياته كلها ينتقل من حرب إلى حرب، يتجرع مرارة الهزيمة حينا كما يتذوق حلاوة الانتصار حينا آخر، ويعمل دائبا على تدعيم مركزه وضمان مستقبله، وحفظ وجوده بين التيارات المتضاربة من حوله، لا يبالي ما يكلفه ذلك من جهد أو يستلزمه من مشقة.
ذلك هو الأمير البربري المغراوي: زيري بن عطية
*
ولم تكن التي قيلت فيها هذه الكلمة " ليلى" من اللواتي تعود الشعراء أن يوجهوا إليهن أعذب الكلام، وان يسبغوا عليهن أجمل النعوت وأحلى الصفات، بل أنها لم تكن بشرا على الإطلاق ــ وكل يغني على ليلاه! ــ وإنما كانت بلدا في أقصى نقطة من شمال المغرب، كانت ــ ولا تزال ــ مدينة جميلة تهفو إليها النفوس وتعشقها القلوب، وتغري الخيال بأن يتفنن فيما يحيك حولها من القصص والأساطير والمبالغات.
تلك هي (طنجة) عروس المغرب الضاحكة المشرقة، مدينة البحر والشمس والأسرار، المدينة التي يصدق فيها الحق ما قاله المتنبي: لو سار فيها سليمان لسار بترجمان!.
*
وليس الذي يهمنا هنا هو الموقف الشعري الذي أوحى لأميرنا المغربي بكلمته هذه، ولا أن نعرف أنه كان مخطئا في الحساب، نوعا ما، عندما ظن أن طنجة، أو أن المغرب بصفة عامة، قد أصبح له خالصا من غير منازعة، وإنما الذي يهمنا في الدرجة الأولى هو أن نتوسع بقدر الإمكان في شرح الظروف التاريخية التي أحاطت بهذا الموقف الشعري، والتي أوحت لزيري بن عطية بهذا الكلام.
وسنكون مضطرين لكي نستطيع أن نتفهم هذه الظروف، أن نتنقل قليلا بين المغرب والأندلس من جهة، وبينه وبين الجزائر وتونس ومصر من جهة أخرى، فقد كانت الأحداث التاريخية في هذه البلاد جميعا خلال هذه الفترة التاريخية متداخلة مترابطة، وكانت حساسية كل قطر منها بما يجري في الأقطار الأخرى بالغة منتهاها الذي لا مزيد عليه.
كان ذلك في الربع الأخير من القرن الرابع للهجرة.
وكانت الدولة الإدريسية بالمغرب قد لفظت آخر أنفاسها بمقتل آخر ملوكها (الحسن بن كنون) في سنة 375 هـ (985 م) كما كانت الدويلة التي أسسها (موسى بن أبي العافية) في أواخر عهد الدولة الإدريسية ــ وظلت تنازع دولة الأدارسة على سلطان المغرب ــ قد انتهت هي الأخرى قبل ذلك ــ بسنين قليلة ــ بالرغم من أن زعمائها المتأخرين ظلوا يتمتعون بشيء من النفوذ والسلطة في أطراف المغرب إلى أن قضت عليهم دولة المرابطين.
أما في الأندلس فقد كان الخليفة الأموي في هذه الحقبة من التاريخ شابا تافها جاهلا متخنثا مشغولا طول يومه في حدائق القصر بقرطبة، وبالحديث