تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

دعوة الحق، س. 2، ع 9 / يونيو1959 .................... ص 14

المغرب في المحافل الثقافية الدولية

للأستاذ محمد الفاسي

إن من يتتبع المغرب في القرون الأخيرة يلاحظ أن من أبرز مميزاته انكماشه على نفسه وابتعاده عن المشاركة في الحياة الدولية، وقد تأصل فينا هذا المركب نتيجة للنهضة الأوربية التي جعلت أمم النصرانية تحاول الاستيلاء على العالم، وقد كان المغرب من أول الأمم الإسلامية التي واجهت هذه الحملات الصليبية الجديدة بعد فشل حروب القرون الوسطى في المشرق وصمدت بلادنا في وجه الغزو المسيحي البرتغالي حيث دحرت جيوش الملك "دون سبستيان" في موقعة وادي المخازن التي تعتبر من المواقع الحاسمة في تاريخ الإسلام (وتاريخها يوم الاثنين 30 جمادى الأولى 986 موافق لـ 4 غشت 1578).

ولكننا لم نعرف أن نستغل ذلك النصر المبين، وعوض أن نخرج من العزلة التي كنا وقعنا فيها بعد تقهقر الإسلام عن جزيرة الأندلس، كان لاقتحام الجيوش المسيحية لبلادنا أثر قوي على النفوس، ورغم خروج المغرب منتصرا من هذا الهجوم الأوربي فإن النفوس أشربت كراهية كل ما يأتي من الخارج، وصارت الوطنية هي الغيرة على كل ما هو مغربي وعدم قبول أي شيء يأتي من عند الغير أي العدو، وعدم البحث عما يقع عنده، لأن المغاربة صاروا لا يرون في أمم الغرب إلا أولائك المغيرين على بلادهم، خصوصا وأن أجناسا أخرى كانت تحتل عدة مراكز من الشواطئ المغربية

وقد أوردت هذه الصفحة من تاريخنا كمقدمة لما أريد أن أحدثكم عنه اليوم كعبرة للساسة التي يجب أن ننهجها، حتى لا نقع في نفس الغلط الذي أدى بنا إلى التأخر أولا، لأننا لم نجار ما يفعله غيرنا ولم نطلع عليه، ثم إلى فقدان حريتنا ثانيا، حتى احتجنا للكفاح المرير الذي تعرفونه لنيل حريتنا واستقلالنا.

وإذا كانت العزلة والانكماش أضرا ببلادنا في القرون الماضية، فهما اليوم أكثر ضررا، إذ العالم يتقدم بخطى سريعة نحو مصير عظيم، لا تتراآى لنا منه الآن إلا بوادر بسيطة.

لذلك كان من الواجب أن يشارك المغرب بمجرد نيله الاستقلال في كل مظاهر الحياة الدولية، والميدان الذي أريد أن أتكلم لكم عنه الآن هو ميدان الثقافة.

كثير من الناس لا يقدرون كل ما تجنيه الأمم من شتى الفوائد من مشاركة أبنائها في المؤتمرات الدولية والجمعيات العالمية والاجتماعات الدورية لمختلف الهيئات التي تهتم بالشؤون الفكرية وغيرها، والحالة أن من أهم ما تعنى به الأمم، كل الأمم، هو الحرص على أن تكون ممثلة في هذه الهيئات، بل نرى دبلوماسية كل الأمم تحاول بسعي حثيث تنظيم اجتماعات دولية ببلادها، وتأسيس مراكز لمختلف المنظمات العالمية بأرضها.

وهذا ما دعا المغرب للانخراط بمجرد استقلاله في كل المنظمات الدولية، وذلك ما حدا بنا في ما يرجع للناحية الثقافية وهي التي تعنينا في هذا الحديث اليوم، أن نسارع إلى الانضمام للمؤسسات الثقافية الدولية، وللمشاركة في مختلف المؤتمرات العلمية والأدبية والفنية، لنطلع على أساليب الأمم الراقية في كل هذه المناحي.

وقبل أن أتكلم لكم عن هذه المؤسسات الدولية ومشاركة المغرب في أنواع نشاطها، أنبهكم إلى ما لا شك تعلمونه، لأن كل من اتصل بالخارج من المغاربة يحسه ويردده، وهو أن بلادنا مجهولة لا يعرف عنها شيء لا في الشرق ولا في الغرب، أو بالأحرى يتصورها كل

مجلة دعوة الحق · الصفحة ١٣٨٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ١٣٨٩