تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الأجانب الذين لم يزورها على غير حقيقتها، فالغربيون يعتقدون أن المغرب بلاد قاحلة ليس فيها إلا الرمال والجمال، وأن حرارتها لا تطاق، وأن أهلها سود الوجوه.

كل هذا لأنها في إفريقيا، وهذه القارة في نظر عموم الناس بأوربا هذه أوصافها ومميزاتها، وإذا كانت بلادنا في أقصى جنوبها صحراوية ذات رمال وجمال وحرارة شديدة في فصل الصيف، فإن باقي البلاد كلها طبيعتها على خلاف هذا، وأما سواد السحنة فإننا وإن كنا بالطبع لا نعتبره نقصا بوجه من الوجوه، فإن الواقع يخالفه لأن سكان بلادنا الذين أصلهم من إفريقيا السود قليلون جدا، ثم أن الأجانب في أكثريتهم الساحقة لا ينسبون لنا حضارة لا شرقية ولا غربية، وإذا كان نظر إخواننا من المشارقة في بلادنا لا يبلغ هذه الدرجة من الجهل، فإنهم بكيفية عامة لا يعرفون إلا القليل عن حضارتنا سواء منها المغربية القديمة الصميمة أو التي اقتبسناها عن الغرب والتي تجعل المغرب في طالعة الأمم العربية الإسلامية.

والشيء الوحيد الذي يعرفه أكثر الأجانب عن بلادنا هو كفاح ملكنا المفدى محمد الخامس نصره الله وأسبل عليه رداء عافيته، واستماتته في سبيل نيل الاستقلال، وتضحيته في سبيل مثله العليا، وسيكون للرحلة العظيمة التي قام بها إلى منفاه الأول والثاني أحسن الأثر للتذكير بهذا الكفاح ولتوجيه الأنظار إلى بلادنا لأننا في أمس الحاجة لرفع هذا الحجب عنا.

ومن كل هذا يتبين الواجب الملقى على عاتقنا في التعريف ببلادنا، وانتهاز كل الفرص للقيان بدعاية واسعة النطاق ترتكز على إلقاء المحاضرات وعرض أشرطة سينمائية وتوجيه فرق موسيقية وتوزيع النشرات والمصورات عن مناظر بلادنا الخلابة، إلى غير ذلك من الوسائل التي تستعملها اليوم كل الأمم، وكثير من هذه الأمم تنظم هذه الدعاية في دائرة بعثة ثقافية تزود بكل التجهيزات اللازمة للقيام بعملها لخير بلادها وثقافتها ولغتها.

وإن كان المغرب لم يعن بعد بهذه الناحية العلمية المنظمة للتعريف بشؤونه فإنه لم يهما المشاركة في النشاط الثقافي الدولي منذ صار أمره إليه وصار يتصرف في مصيره بنفسه، وقد كانت أول منظمة ثقافية انخرط فيها المغرب هي المكتب الدولي للتربية، ومقر هذه المنظمة بمدينة جنيف في سويسرا، وقد تأسست بعد الحرب العالمية الأولى، وهي تعنى بكل ما يرجع للتربية والتعليم، وتعقد كل سنة في أوائل يوليوز مؤتمرا عاما يحضره ممثلون عن كل الأمم المنخرطة فيه، وقد بلغ عددها الآن أكثر من ثمانين ولهذا المؤتمر فائدة عظمى لأنه يخصص كل دورة لدراسة موضوعين مهمين يرجعان للتعليم، يتفق في كل دورة على موضوعي الدورة المقبلة، وتوجه أسئلة لوزارات التربية والتعليم لتجيب عنها في وقت معين، وعندما تجتمع الأجوبة عند إدارة المكتب الدولي للتربية، تدفع المتعلقة منها بالموضوع الأول لمقرر، والمتعلقة بالموضوع الثاني لمقرر أخر، فيدرسانها ويحضران تقريرا ضافيا للمؤتمر، وعندما ينعقد المؤتمر يطرح أحد الموضوعين للمناقشة في جلسات عامة تدوم بضعة أيام، وتكون الوفود متركبة من رجال التعليم الأخصائيين في الموضوع المدروس، وهكذا يضم المؤتمر كل سنة أساطين التعليم في العالم المختصين بناحية من نواحيه المتعددة، وأن المواضيع التي طرقت في المؤتمرات الأخيرة التي شارك فيها المغرب هي نظام التفتيش في التعليم، تعليم العلوم الرياضية بالمدارس بالثانوية، البنايات المدرسية، تكوين الأساتذة المكلفين بالتعليم في مدارس المعلمين، وضع برامج التعليم الابتدائي، وسائل نشر التعليم في المناطق البدوية.

ومجرد سرد هذه العناوين يبدي أهمية هذه الدراسات خصوصا إذا علمتم أن كل الأخصائيين من الوفود التي تأتي من القارات الخمس يشاركون في مناقشة التقرير بآرائهم، ويعرضون حلولا يستمدونها من تجاربهم ومما يسمعونه في المؤتمر من آراء غيرهم، ثم يلخص كل هذا في ملتمسات توجه لمختلف وزارات التربية والتعليم في الأمم المنخرطة في المكتب الدولي للتربية.

ثم أن لهذا المؤتمر ـــ وقد انعقد منذ تأسيسه إحدى وعشرين مرة ـــ نشاطا آخر لا يقل فائدة عما شرحته لكم الآن، وذلك أن كل وزارة تعليم في الأمم المنخرطة في المكتب مطالبة بتوجيه تقرير ضاف عن نشاطها في بحر السنة المنصرمة، وعندما تحل الوفود في جنيف تدفع لها نسخ من هذه التقارير، وأكثرها يكون مطبوعا وموضوعا باللغتين الانجليزية والفرنسية، فيعكف عليها أعضاء الوفود دراسة وبحثا ليطلعوا على ما عند غيرهم، وعلى ما استجد من أساليب ومن قوانين لتسيير التعليم ومن برامج جديدة، وتخصص جلسات أيام المؤتمر لدراسة هذه التقارير، بمعنى أن رئيس الوفد يطلع للمنصة، ويطلب الرئيس من الوفود التي تريد أن تسأله عن مسألة وردت في تقريره أن يتقيدوا، وتعطى الكلمة لكل واحد، فيلقي ما عنده ويجيبه رئيس الوفد الذي يدرس تقريره عن حالة التعليم في بلاده، فينتج عن مجموع هذه المحاورات تقهم لعدة قضايا، وتنفتح أفاق أمام المسؤولين عن شؤون التربية والتعليم في بلادهم.

ولقد حضرت المؤتمرات الثلاثة التي انعقدت منذ استقلال المغرب، حيث قدمت لكم أننا طلبنا الانخراط بمجرد ما استقلت بلادنا فقبلنا، وحضرنا

مجلة دعوة الحق · الصفحة ١٣٩٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ١٣٩٠