تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

يجاهر بها ويدعو إليها الناس بكل جرأة وحماسة ولكن بدون أن يألم غيره ويجرح قلبه أو يشاتمه ويلاعنه أو يطعن في عقائده أو يحول بينه وبين مزاولته شعائر دينه الذي هو عليه. أو يكرهه على اعتناق دينه بدون اقتناع منه بصحته. وأما أن لا يقال للحق أنه حق أو يقال للباطل انه حق مع عدم الجهل بالحقيقة، فأمر لا يمكن أن يصدر أبدا عن رجل صادق جريء وهو من أقذر أنواع التملق ولا سيما إذا كان الإنسان لا يختاره إلا لترضي الناس ومصانعتهم وليس مثل هذا التملق بأمر شنيع مستقبح من الوجهة الخلقية فحسب، بل هو كذلك من الوجهة العملية أيضا، غذ قلما ينجح الإنسان في غايته التي لأجلها يميل إليه ويتردى في منزلته المنحطة، وفي ذلك يقول تبارك وتعالى مخاطبا رسوله الحبيب صلى الله عليه وسلم: " ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم. قل إن هدى الله هو الهدى ولئن اتبعت أهوائهم بعد الذي جاءك من العلم منة الله من ولي ولا نصير".

لاشك أن التسامح الكاذب قد يتسلح بإظهاره لبلوغ الأهداف السياسية وهو من مباحات هذا الزمان، لأن جهود أرباب السياسية في الغرب قد فرقت منذ مدة بين الأخلاق والسياسية، إلا أن الذي يبكي العين ويحرق القلب أسفا هو سلوك ألئك المحققين العظام الذين لا يكفلون العقل بالتأمل ولا الفكر بالحركة ولكن طالما يبدون تحقيقهم في الشؤون الدينية بصورة النظرية العجيبة القائلة " بان الأديان كلها على حق ". إننا كثيرا ما نسمع هذه الجملة من السنة الذين دعواهم أنهم لا يتكلمون بكلمة ولا يسلمون بها ما لم يعرضوها على ميزان العقل، إلا أن الحقيقة أن ميزان العقل يأبى أن يقيم لتحقيقهم الأنيق هذا ولو وزن قطمير لأن الأديان التي يحكمون بكونها جمعاء على الحق، بين أصولها ومبادئها من الفرق الهائل والبون الشاسع ما بين السماء والأرض أو الأسود والأبيض. يقول أحدها بان الإله واحد، ويقول الثاني بأن هناك الهين اثنين ويقول الثالث بأن هناك آلهة ثلاثة، ويقول الرابع بأن هناك عدة قوى هي كلها مشتركة في الألوهية، ويقول الخامس بأن ليس هناك شيء يعرف بالإله، فهل من الممكن أن تكون هذه الأديان الخمسة كلها على حق بصفة واحدة؟ يرتفع أحدها بالإنسان إلى مقام الألوهية، والثاني ينزل بالله إلى منزلة الإنسان، والثالث يجعل الإنسان عبدا والله معبدوه والرابع لا تصور فيه أصلا للعبد ولا للمعبود، فهل يجوز عقلا أن تجتمع هذه الأديان كلها ولا يكون بينها من فرق باعتبار صدقها؟ يجعل أحدها مدار النجاة على العمل وحده، والثاني على العقيدة وحدها، والثالث لابد عنده للنجاة من العقيدة والعمل كليهما؟ فهل يمكن أن تكون هذه الثلاثة صحيحا معا؟ يخرج أحده طريق النجاة من الدنيا وحياتها، والثاني إنما يمر طريق النجاة عنده من بين مشاغل الحياة الدنيا ومصاخبها، فهل من الممكن أن يكون كلاهما على الحق والصواب بصفة واحدة؟ ولعمري أنه إذا كان من الجائز أن يعبر بالعقل عما يحكم على مثل هذه الأمور المتضاربة المتنافية بالصدق والصحة والصواب، فالواجب أن يعبر بكلمة أخرى غير كلمة " العقل " عما يحكم باستحالة الاجتماع بين الأضداد.

نعم، هناك تصورات مشتركة في مختلف الديانات، ولكن من دواعي الأسف أن الذين قد اعتادوا أن لا ينظروا من الأشياء إلا إلى قشورها، فإنهم لا يجتهدون أصلا ليعرفوا حقيقة هذه التصورات المشتركة وإنما يرتبون المقدمات ترتيبا فاسدا ويستنتجون منها نتائج خاطئة مع أن هذا الاشتراك يرشدنا إلى حقيقة مهمة هي أن جميع هذه الأديان متفرعة من أصل واحد وأن هذه التصورات والتعاليم ليس لها إلا مبدأ بعينه وأن هناك وسيلة للعلم بعينها هي التي قد عرفت الإنسان في مختلف الأوطان والأزمان والأوقات والألسنة بهذه الحقائق المشتركة، وأن هناك بصيرة بعينها حصلت للناس جميعا على كل ما كان بينهم من بعد المشرقين وفترة المآت والآلاف من السنين فهم بهذه البصيرة لم ينتهوا إلا إلى نتائج متقاربة من نوع واحد، ولكن لما تباعدت الأديان عن أصلها، تسربت إليها تصورات خارجة ومعتقدات أجنبية، وأن هذه الأمور البعدية لما لم تكن مأخوذة من ذلك المبدأ المشترك وتلك البصيرة المشتركة، الأبنية المؤسسة على هذه الأسس المشتركة متخالفة بينها كل التخالف باعتبار صورها وهيئاتها وأشكالها.

فعلى هذا إذا كان يجوز أن يحكم بالحق والصدق فإنما يجوز أن يحكم بهما على ذلك الأصل المشترك الذي يوجد في جميع الأديان، لا على تلك الصور والهيآت التفصيلية المختلفة التي توجد عليها هذه الأديان اليوم، لان الحق إنما هو جنس بسيط لا يمكن الاختلاف بين أجزائه. فكما أنه من الممكن أن نطلق كلمة " اللون" بكل سهولة على الأبيض والأسود والأخضر والأحمر، كذلك ليس من الممكن أن نطلق كلمة " الحق" على مختلف الأحكام كأحكام أن الله واحد وأن الإلهين اثنان وأن الآلهة متعددة.

أما أن الأديان كلها لها أصل واحد وأن هناك حقيقة واحدة لمختلف الأمم في مختلف الأزمان، فأمر جاء بيانه بكل صراحة في غير آية من آيات القرآن الحكيم، فقد قيل مثلا " ولقد بعثنا في كل أمة رسولا" و " أن من أمة إلا خلا فيها نذير" و " وجاؤوا بالبينات والزبر والكتاب المنير" و " لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان" أي ما كان مختلف الأنبياء والرسل يتلقون رسالة الصدق والحق الآمن بنبوغ واحد بعينه وأنهم جميعا ما كانت لهم إلا رسالة واحدة هي " أن أعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت" وأنهم جميعا ما كان يوحى إليهم إلا وحي واحد " وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه انه لا إله إلا

مجلة دعوة الحق · الصفحة ١٣٨٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ١٣٨٠